قناة بغداد: انسحاب الجيش العراقي من جرف الصخر اثر معارك طاحنة مع ثوار العشائر *** BBC العربية: مقتل 24 شخصا في انفجار قرب الكاظمية في العراق *** الجزيرة: طيران الأسد يقصف حي جوبر بدمشق وسط اشتباكات مع مقاتلي المعارضة *** قناة بغداد: استشهاد 5 من عائلة واحدة في قصف جوي عراقي جنوبي الموصل *** العربية: الائتلاف الوطني السوري يقرر إقالة حكومة أحمد طعمة, ويدعو لانتخاب حكومة جديدة في غضون شهر
  • الخميس 31 يوليو 2014م
  • الخميس 04 شوال 1435هـ
المقالات التمدد الشيعي الشيعة في الخليجالنشاط السياسي للشيعة في السعودية
قناة الجزيرة - ملفات خاصة

 بقلم/ نجيب الخنيزي *

قناة الجزيرة – ملفات خاصة - الأحد 1/4/1424هـ الموافق 1/6/2003م

ينتشر الشيعة بأعداد متفاوتة في مناطق المملكة المختلفة، لكن نطاق تمركزهم وثقلهم الأساسي هو شرق الجزيرة العربية أو ما كانت تعرف قديما بالبحرين التي تشمل تاريخيا أوال (مملكة البحرين حاليا) والخط (القطيف) وهجر (الأحساء). وتاريخ التشيع في المنطقة قديم، وبعضهم يعود به إلى عهد الإمام علي ابن أبي طالب الخليفة الرابع. وقد أنجبت المنطقة العديد من الصحابة والتابعين والشعراء المبرزين، وتميزت المنطقة (البحرين القديمة) باندلاع الثورات والانتفاضات المبكرة ضد الدولة الأموية ثم الدولة العباسية والتي تكللت بسيطرة القرامطة في نهاية القرن الثالث الهجري التي جعلوها قاعدة لحكمهم ومنطلقا لحملاتهم ضد المراكز والعواصم العربية (العراق والشام ومصر)، واستمرت سيطرتهم قرابة 150 عاما. والقرامطة من الناحية المذهبية ينتسبون إلى فرقة الإسماعيلية، وفي عهدهم جرى استحداث الكثير من التنظيمات الإدارية والعسكرية والقانونية والاجتماعية ذات المدى المتقدم والمتطور التي تأخذ بعين الاعتبار مصالح الغالبية من السكان والتي لا تزال جذورها قائمة في بعض الأنماط الاقتصادية الاجتماعية التقليدية مثل الزراعة والحرف والصيد، كما اتسم البناء السياسي والاجتماعي للقرامطة بالديمقراطية العسكرية.

التركيب الإثني:

الشيعة في المنطقة الشرقية هم أجمالا من الحضر المستقرين الموجودين منذ قرون عديدة ضمن مدن وقرى حضرية، ويمارسون مهنا ثابتة مثل الزراعة والحرف والصيد، وبالتالي فإن الأنماط الاقتصادية للعلاقات القبلية وكذلك أعرافها وعاداتها وقيمها ضئيلة الحضور, علما بأن الأصول القبلية والبدوية شكلت تاريخيا النواة الصلبة الأساسية للسكان المحليين (الشيعة). وهم في غالبيتهم ينحدرون من قبائل ربيعة (عبد القيس وبكر بن وائل) ومن قبائل وعشائر أخرى وفدت من نجد وغيرها (لأسباب اقتصادية) من المناطق، ومن أهمها قبيلة بني خالد التي استقرت وتحضرت وذابت ضمن النسيج المحلي للسكان. إذا فالأصول والجذور العربية للشيعة لا جدال فيها، وهو ما يدحض التخرصات المشككة في انتماءاتهم القومية والوطنية ومن ضمنها اعتبارهم أجانب أو منحدرين من أصول فارسية مع أن ذلك لا يعيب ولا يشكل جريرة أو مؤاخذة من أي نوع، ففي إطار الحضارة العربية الإسلامية تمازجت وتداخلت واختلطت شعوب وحضارات وثقافات متنوعة، وكان ذلك أحد العوامل لإثراء وحيوية وتقدم تلك الحضارة. إن وجود أعداد غفيرة من ذوي المنحدرات الإيرانية والآسيوية والأفريقية في معظم مناطق دول الخليج (وفي مقدمتها المملكة) ومعظمهم من السنة لم يثر التحفظات والتشكيك من قبل السلطات والأوساط الدينية الرسمية، وهذا يدل على التوظيف السياسي الذي يستخدم الدين المتشدد كما في مرحلة المد القومي أو يتبنى القومية الشوفينية إزاء مطالب واحتياجات وحقوق الأقليات الإثنية والدينية والطائفية ومن بينهم الشيعة.

نطاق الانتشار:

الشيعة موجودون في مناطق وأقاليم مختلفة من المملكة، ففي المنطقة الشرقية يشكل الشيعة نسبة كبيرة من السكان، وهم مذهبيا ينتمون إلى الإمامية (الجعفرية)، وكذلك الأمر ينطبق على شيعة المدينة (النخاولة)، بل إن الأشراف وهم سادة بني هاشم في المدينة ومكة وينحدر من سلالتهم الأسرتان الهاشمية والعلوية الحاكمتان في الأردن والمغرب، كانوا ينتمون (وبعضهم لا يزال) للمذهب الشيعي. كما أن هناك وجودا شيعيا بين قبائل حرب وجهينة (الحروب) وفي منطقة ينبع البحر وهم من الشيعة الكيسائية. أما الشيعة "الإسماعيليون" فينتشرون في الجنوب وبخاصة في نجران بين قبائل يام, كما ينتشر الشيعة "الزيود" في مناطق عدة من المنطقة الجنوبية والغربية. ومع أهمية الوجود الشيعي في المملكة حيث تقدر نسبهم بحوالي 15% من العدد الإجمالي للسكان المحليين البالغ حوالي 17 مليونا، فإن المسألة الشيعية ارتبطت على الدوام بوجود الشيعة في المنطقة الشرقية لأسباب وعوامل تاريخية وسياسية واقتصادية وثقافية. وقبل كل شيء يتمثل أهمية العامل الشيعي في الحياة المعاصرة للمملكة العربية السعودية في كون المنطقة الشرقية تحتوي على أكبر مخزون نفطي في العالم (25% من أجمالي الاحتياط العالمي) إلى جانب وجود كميات هائلة من الغاز. أما على الصعيد الجيوسياسي والعلاقات الثقافية والعائلية والمذهبية فإن شيعة الشرقية يمتلكون التواصل والارتباط الوثيق بمناطق الوجود الشيعي "الكثيف" في المناطق المجاورة مثل العراق وإيران والشام والكويت والبحرين وغيرها من دول الخليج العربي، لكن هذا التواصل والتداخل لا يعني بأي حال تبعية شيعة المملكة لمركز أو دولة "معينة" أخرى من منطلق ولاء سياسي ومذهبي. فتاريخ التشيع في الجزيرة يعود إلى حوالي 1400 سنة في حين أن إيران الشيعية المعاصرة يعود وجودها إلى حوالي 500 سنة (الحكم الصفوي). وفي الواقع فإن علماء الشيعة من البحرين (التي تشمل القطيف والأحساء) كانوا يمتلكون حوزتهم (مدارسهم) الدينية الخاصة منذ زمن سحيق. وقد أطلق على مدينة القطيف مسمى "النجف الصغرى" لكثرة الحوزات الدينية فيها، واستمرت هذه الحوزات تعمل بنشاط حتى بدايات قيام الحكم السعودي (الدولة الثالثة). والمعروف تاريخيا أن علماء الشيعة من البحرين إلى جانب علماء العراق ولبنان لعبوا دورا أساسيا في نشر التشيع وبناء الحوزات الدينية في إيران الصفوية. وبطبيعة الحال حدث ويحدث انشداد وتجاذب لشيعة المملكة مع تجارب وأوضاع شيعية في الخارج. وهذا أمر طبيعي بفعل التقارب والتداخل الجغرافي والاجتماعي والسياسي والمذهبي والثقافي، وهي ليست خصيصة شيعية بالمطلق إذ هو أمر شائع في جميع الأديان والمذاهب والثقافات الإنسانية. وفي الواقع فإن ولاء وانجذاب الأقليات الإثنية والدينية إلى ما وراء الحدود هو في أحد مظاهره يدل على شعور هذه الأقليات بالظلم والحيف والتمييز الواقع عليها من قبل السلطات الحاكمة أو نتيجة الاضطهاد الذي تمارسه القومية أو الأكثرية الاجتماعية أو الفئات المتشددة دينيا ومذهبيا. إننا نجد أن تجربة ثورية معاصرة كتلك التي مثلتها إيران الإسلامية تحت قيادة الإمام الخميني لم يقتصر الإعجاب والانشداد إليها على الجانب الشيعي فقط، إذ انبهرت بها شعوب وقيادات وفصائل دينية (سنية) وقومية ويسارية مختلفة خصوصا في بدايات انتصار الثورة نظرا لما أحدثته من تغير واختراق مهم لصالح الشعوب في المنطقة والعالمين العربي والإسلامي. والحال كذلك ينطبق إزاء تجربة المقاومة الوطنية الباسلة التي قادها حزب الله في لبنان ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي والتي أجبرته على الرحيل ذليلا من الأراضي اللبنانية. وهو ما يحدث حاليا إزاء التعاطف والانجذاب من قبل الشيعة وغيرهم

إزاء الوضع الجديد الذي نشأ إثر سقوط نظام صدام حسين الدكتاتوري وما تكشف من جرائم بشعة ضد شعبه (وفي مقدمتهم الشيعة). والتي من نتائجها المؤسفة -ولكنها طبيعية- إحياء الولاءات والانتماءات والهويات الفرعية التقليدية ومن ضمنها الاصطفافات الطائفية والقبلية والإثنية والجهوية، والتي عملت الدكتاتورية على تقويتها عبر مصادرة المجتمع وتحطيم كافة قوى تشكيلات المجتمع المدني من أحزاب سياسية ومنظمات اجتماعية ومهنية وثقافية.

الشيعة في بدايات العهد السعودي:

احتُلت الهفوف (حاضرة الأحساء) في 12 أبريل/ نيسان 1913 بسهولة بعد مقاومة ضعيفة أبدتها الحامية التركية. وكان موقف المجتهد الشيعي الأكبر في الأحساء الشيخ موسى بو خمسين وعدد من الوجهاء بعدم المقاومة لعب دورا حاسما في إحراز النصر السريع لابن سعود الذي عقد اتفاقا مع زعماء الشيعة ينص على "ضمان حرية الأهالي الدينية" وضمان "إعادة الأمن ونشر العدل" مقابل الولاء والانضمام إلى الكيان والحكم الجديد. وعقب احتلال الهفوف أرسل القائد المؤسس عبد العزيز مفرزة صغيرة (عشرة أشخاص) بزعامة ابن سويلم إلى القطيف للتفاوض على دخولها سلما. وقد انقسمت المرجعية الدينية والزعامة السياسية في القطيف بين المقاومة والدعوة إلى التسليم حقنا للدماء، وحسمت المسألة نتيجة موقف الشيخ علي أبو عبد الكريم الخنيزي (وهو بالمناسبة الأخ غير الشقيق لوالدي) الذي رفض المقاومة حقنا للدماء، وهكذا فتح الأمير عبد الرحمن بن سويلم مبعوث ابن سعود القطيف سلما في 15 مايو/ أيار 1913. وهكذا أصبحت واحتا الأحساء والقطيف اللتان تتسمان بالاتساع الجغرافي الهائل وبمصادر ثرواته (قبل اكتشاف النفط) الكبيرة المتوفرة آنذاك تشكلان درة الدولة الجديدة التي كانت في طور التأسيس. واضطرت الحاميتان التركيتان في الأحساء والقطيف إلى المغادرة عن طريق البحر، لكن ابن سعود نظرا لحنكته ومعرفته الدقيقة بالطبيعة الخاصة للمنطقة وسكانها حرص على التصالح والتعايش وكسب ودهم عن طريق اتفاقيات وتعهدات بعدم مس معتقداتهم وتوفير الحماية والأمن لهم، بل إنه أقدم في فترة لاحقة على تعيين الشيخ علي الخنيزي قاضيا أكبر في المنطقة يتقاضى أمامه جميع السكان الشيعة والسنة على حد سواء، علما بأن ذلك يخالف ويتعارض مع النهج والتفكير الوهابي المتشدد المتحالف معه. وفي الوقت نفسه حرص ابن سعود انطلاقا من معرفته بموازين القوى الإقليمية والدولية على عدم إغضاب الدولتين الرئيسيتين المهيمنتين في المنطقة وهما الخلافة العثمانية (الآستانة) وبريطانيا العظمى، لذا كان على الملك عبد العزيز إبرام المعاهدات والاتفاقات معهما من أجل ضمان استقرار حكمه. ومن الواضح أن أسبابا وعوامل عدة ساعدت في غض النظر من قبل الخلافة العثمانية وبريطانيا وعدم التدخل المباشر للتأثير في الأوضاع المحلية، خصوصا في ظل الموقف السلبي من زعماء السكان المحلين الذين رفضوا التعاطي مع المندوبين والرسل البريطانيين الذين عرضوا عليهم (زعماء القطيف) وضعا مماثلا ومشابها للمشيخات المحمية في الخليج، وذلك لأسباب دينية (عدم جواز حكم غير المسلم) ووطنية. واضطر الملك عبد العزيز لأسباب تكتيكية إلى عقد اتفاقية معاهدة مع الأتراك في 15 مايو/ أيار 1914. ومع أنه قدم فيها بعض التنازلات الشكلية للأتراك فإنه سرعان ما تجاوزها ورفض التقيد ببنودها إثر اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914). وضمن هذا السياق وقع الملك عبد العزيز على معاهدة (دارين, القطيف) مع ممثل الحكومة البريطانية كوكس في 26 ديسمبر/ كانون الأول 1915. وهذه المعاهدة حوت بالفعل إجحافا وتنازلات تعد جوهرية إذ مست بمبدأ السيادة والاستقلال الوطني، لكن الوقائع والسياقات التاريخية ذات المسارات تبين على نحو جلي أن وحدة الكيانات وبناء الأوطان لا يمران عبر طريق مستقيم لا التواءات أو منعطفات أو حتى تراجعات (خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء) فيه. وقد تبدو من الظاهر غير مقبولة أو مبدئية، لكن إذا أخذت ضمن المنظور التاريخي العام نجد أنها قد تكون ضرورية وأهون الشرور والخيارات للمحافظة على الهدف المركزي والأساسي وهو ما يتمثل في نظري بالإنجاز التاريخي الكبير، وهو إقامة أول وحدة عربية ناجحة في العصر الحديث، وذلك على أنقاض التخلف والفقر والتجزئة والاحتراب القبلي والطائفي والمذهبي الذي كان سائدا في أرجاء الجزيرة العربية لقرون عدة. لكن هذا المنجز التاريخي الكبير الذي تحقق يجب أن لا يجعلنا نغفل جوانب ونتائج سلبية رافقته ونجمت عنه احتقانات اجتماعية ومذهبية وسياسية خطيرة، لم يجر وضع حد لها ولذيولها حتى الآن، وذلك لأسباب وعوامل متعلقة بالبيئة السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية السائدة.

حركة الإخوان والمسألة الشيعية:

لعبت حركة الإخوان** منذ تأسيسها (1915) دورا حاسما في توطيد سلطة الملك عبد العزيز، وكانت تمثل الذراع العسكري والمظلة الأيدولوجية في تأسيس وتوحيد المملكة حتى لحظة المواجهة والصدام حين افترق وتصادم مشروعها مع توجهات الحكم السعودي نحو بناء الدولة المركزية واحترام العلاقات والاتفاقيات الإقليمية التي أبرمها الملك عبد العزيز مع جيرانه ومع بريطانيا الدولة الاستعمارية القوية المهيمنة في المنطقة آنذاك إثر انهيار سلطة الخلافة وتقسيم المنطقة العربية (سايكس بيكو) بين بريطانيا وفرنسا. وما أود التركيز عليه هنا هو النتائج والإفرازات السلبية الناجمة عن تأجيج هذه الحركة للمسألة الطائفية دون أن نغفل الأبعاد السياسية والاجتماعية والدينية التي رافقتها وأعقبتها والتي ما زالت مستمرة حتى الآن سواء في التوجهات والممارسات الحكومية أو موقف المؤسسة الدينية الرسمية ناهيك عن التكوينات والتشكيلات المنبثقة عنها والخارجة عليها في الوقت الحاضر. لقد اتسمت حركة الإخوان منذ بداية تأسيسها بالتشدد والتزمت الديني والمسلكي الذي يصل إلى حد التكفير والاستئصال للآخر المختلف ضمن الدائرة الإسلامية، بما في ذلك المذاهب السنية الأخرى. غير أن رأس رمح هذه الحركة كان متجها ومسلطا على نحو متطرف ضد الشيعة على وجه الخصوص الذين اعتبروا في نظرهم في منزلة الكفار الذين يجب إخضاعهم للتوبة والعودة إلى صحيح الإسلام أو إعمال السيف في رقابهم ومعاملتهم بأدنى من معاملتهم للذميين. هذه الممارسات والانتهاكات الخطيرة أدت إلى أن يعيش الشيعة محنة شديدة، حيث تم إغلاق مساجدهم ومنعهم من ممارسة شعائرهم وفرض عليهم إعادة تأكيد إسلامهم على يد الشيخ (غالبا يكون جاهلاً ولا يفقه في أمور الدين) يفرض من قبلهم ويقوم بإمامتهم في الصلاة إلى جانب تدميرهم لمقابر آل البيت والأولياء بل وحتى القبور العادية بحجة العودة إلى ينابيع الإسلام الصحيح. كما شددت ضدهم الإجراءات الاقتصادية (الزكاة والجزية والمكوس) ومنعوا حتى من ممارسات بسيطة وعادية مثل التدخين الذي اعتبروه من الكبائر وهو مما أدى إلى هجرة أعداد كبيرة منهم إلى دول الجوار (البحرين والعراق والكويت.. إلخ) ووصل تماديهم إلى درجة وضعت الملك عبد العزيز في موقف حرج وخطير داخليا وإزاء التزاماته وتعهداته إزاء المحيط العربي(العراق والأردن واليمن ومصر) ومحميات الخليج التي كانت تقع ضمن نطاق نفوذ بريطانيا العظمى والتي لم يكن بمقدور الملك عبد العزيز إغضابها وتجاهل نفوذها ومصالحها في المنطقة، ووصل الأمر إلى حد تكفير الدولة والملك عبد العزيز، وهو ما أدى إلى حدوث الصدام الحتمي بين حركة الإخوان والملك عبد العزيز (1929) في معركة السبلة المعروفة حيث تم القضاء على الحركة عسكريا وتم تصفية قياداتها بالقتل والسجن. غير أنه ما أشبه اليوم بالبارحة، فعلى أرضية فكر الإخوان وممارستهم والفكر التكفيري الأحادي الجانب انبثقت وتشكلت مختلف التيارات والفرق المتطرفة التي انبثقت في غالبيتها من قلب المؤسسة الدينية الرسمية، لكنها تمادت ووصل الأمر بها إلى تكفير هذه المؤسسة وتكفير الدولة والدعوة إلى الخروج عليها ومحاربتها تحت عناوين ولافتات مختلفة من حيث الشكل، غير أنها لم تذهب بعيدا عن النهج والممارسات الإخوانية القديمة والجديدة مما شاهدناه في أفغانستان والجزائر ومصر والمغرب والسعودية وحتى في داخل الولايات المتحدة، وهو نتاج بيئة ثقافية وفكرية منغلقة ومتحجرة ترى العالم من خلال عدسة واحدة تقسم العالم إلى دار حرب ودار إسلام وترفع شعار البراء والولاء وغيرها من المفردات القاتلة.

الشيعة ومرحلة اكتشاف النفط:

بتاريخ 29 مايو/ أيار 1933 أصدر المرسوم الملكي بمنح شركة ستاندرد أوبل أوف كاليفورنيا (أميركية) امتياز التنقيب عن النفط في المنطقة الشرقية، وهو ما مثل بداية التحولات الجذرية في الخارطة السياسية حيث ابتدأ النفوذ الاقتصادي والسياسي للولايات المتحدة في الهيمنة على مقدرات الأوضاع في المنطقة، وكان من نتائجه الهامة على الصعيد الداخلي حدوث تبدلات اقتصادية واجتماعية هامة في المنطقة الشرقية، حيث جذبت صناعة النفط الوليدة أعداداً متزايدة من السكان المحليين ومن المناطق المختلفة في المملكة، وكان من نتائجه بدايات تشكيل اجتماعي طبقي حديث مرتبط بأهم مصادر الطاقة (البترول) في العالم. وقد دشن ذلك بدايات وإرهاصات لتشكيلات عمالية سياسية حديثة لا تستند إلى الولاءات والانتماءات التقليدية العمودية القديمة، بل تتوجه نحو العلاقات الاجتماعية الحديثة القائمة على المصالح المشتركة بغض النظر عن المنحدرات والخلفيات الجهوية والقبلية والطائفية. وقد جرى أول إضراب عمالي في عام 1944 حيث قدم العمال مطالب عمالية/نقابية وجرى تشكيل أول لجنة عمالية في عام 1952 سعت إلى الاعتراف بها كممثل للعاملين في شركة النفط، وفي 17/10/1953 بدأ العمال بالإضراب عن العمل الذي شارك فيه 20 ألف عامل سعودي وعربي واضطرت الحكومة لإطلاق سراح أعضاء اللجنة العمالية ووعدت شركة النفط بتحسين ظروف العمل وزيادة الأجور. وفي مايو/ أيار 1956 اندلعت تظاهرات عمالية ضد قاعدة الظهران للقوات الأميركية. وقد ساهم الشيعة بفعالية إلى جانب العمال السعوديين الآخرين وكانوا ضمن قيادات وفعاليات العمل والنضال النقابي/السياسي الآخذ بالتشكل. ومما له دلالة واضحة على تسارع الاندماج والوحدة في مصالح وأهداف العمال على اختلاف وتنوع مناطقهم وقبائلهم ومذاهبهم الاجتماع الحاشد الذي عقد في منتصف يونيو/ حزيران 1956 في أحد مزارع القطيف وألقيت فيه الخطب والقصائد الشعبية الحماسية. وفي اليوم التالي جرت اعتقالات واسعة في صفوف المشاركين من العمال والمثقفين وكانوا من الشيعة والسنة على حد سواء، ثم توالت التحركات العمالية المطلبية والتي بلغت ذروتها في 23 سبتمبر/ أيلول 1956 أثناء زيارة جمال عبد الناصر. وفي عام 1963 جرت اعتقالات واسعة وأذيع بيان رسمي عن اكتشاف تنظيم شيوعي يستهدف إشاعة المبادئ الهدامة والعمل على تعريض أمن الدولة للخطر، وتم إصدار أحكام قاسية بحقهم تراوحت بين 10 و15 سنة، وكان الشيعة يمثلون أغلبية عدد المحكومين منهم.

لقد انخرط الشيعة بفعالية منذ البداية في التنظيمات والحركات السياسية السرية التي شهدتها المملكة والتي كانت معروفة وموجودة على الصعيد العربي مثل القوميين والبعثيين والشيوعيين والناصريين. وفي عام 1969 جرى اعتقال المئات من مختلف مناطق المملكة (شكّل الشيعة حوالي نصفهم) بحجة اكتشاف مؤامرة لقلب نظام الحكم. وفي الواقع تبين أن كل المعتقلين من العسكريين والضباط لم يكن بينهم أحد من الشيعة. يتبين مما سبق أنه لم يكن للشيعة أي توجهات طائفية وفئوية أو تقسيمية بل كانوا منخرطين بقوة في النشاط السياسي والمطلبي العام إلى جانب إخوانهم المواطنين من بقية مناطق الوطن، وذلك من منطلقات وطنية وقومية ويسارية سائدة آنذاك، والاستثناء الوحيد للتحرك السياسي/المطلبي الخاص للشيعة هي أحداث نوفمبر/ تشرين الثاني 1979 وما أعقبها والتي اندلعت في البداية كمسيرات احتجاج عفوية ضد سياسة التمييز والتفرقة الطائفية، وسرعان ما تحولت إلى صدامات عنيفة حين بدأت القوات الخاصة في إطلاق النار على المتظاهرين وسقط من جراء ذلك العشرات من القتلى والجرحى ثم جرى اعتقال المئات منهم لاحقا، وقد توفي العديد منهم في أقبية التعذيب. وتبين فيما بعد أن العديد من الضحايا والمتوفين لم تكن لهم علاقة مباشرة بالأحداث أو بأي من التنظيمات المعارضة. وفي اعتقادي أن النزوع الشيعي الفئوي في مظهره لم يكن يعني تبني وتجذر الميول الانقسامية والطائفية لديهم وإنما هي نتاج حالة عامة شهدتها المجتمعات والبلدان العربية قاطبة إثر انهيار المشروع النهضوي العربي بمكوناته واتجاهاته المختلفة بما في ذلك فشل الأنظمة والخيارات الليبرالية والقومية واليسارية ووصولها إلى درجة الأزمة والطريق المسدود، والذي بلغ ذروته في هزيمة يونيو/ حزيران 1967 مما أدى إلى توليد وتفريخ البديل الإسلامي الذي رفع شعار الإسلام هو الحل. وأسهم انتصار الثورة في إيران في تعزيز هذا الاتجاه في الشارع العربي الإسلامي ومن ضمنهم الشيعة بطبيعة الحال الذين كانوا يشعرون بأنهم يعانون من اضطهاد مزدوج، مرة باعتبارهم مواطنين مسحوقين ومرة أخرى من جراء التمييز والاضطهاد الطائفي، خصوصا أنهم جربوا الانخراط في عملية التغيير الجارية وفقا للمستجدات والالتزامات الوطنية. غير أن فشل الدولة العربية الحديثة وتآكل مشروعيتها أدى إلى انبعاث مختلف الولاءات والانتماءات القديمة الفرعية التقليدية كالقبلية والعشائرية والإثنية والدينية والمذهبية، وعلى هذا الصعيد فإن الشيعة يندرجون ضمن هذه الحالة العامة للمشهد العربي. ومع ذلك فإن السعودية شهدت تكوينات سياسية وطنية/ديمقراطية عامة ومشتركة ضمت في صفوفها ناشطين وفعاليات من منحدرات شيعية حتى بعد أحداث نوفمبر/ تشرين الثاني 1979، ونذكر هنا الاعتقالات الواسعة التي جرت في عام 1982 والتي شملت تنظيمات يسارية مختلفة من بينهم قيادات تنتمي إلى المناطق الشيعية. العلاقة بين الشيعة والدولة المركزية درجت نظريات الاستشراق في علم الاجتماع السياسي في الغرب على التعامل مع بلدان الأطراف (المحيط) على أنها دون مستوى الدولة الحديثة (الدولة/الأمة)، وبالتالي يجري التعامل معها على أنها كيانات هشة تضم كتلا هلامية مفككة يجب التعامل معها وفقا لمواصفات ومقاييس "المركزية الأوربية" خاصة تعظيم تأثير العوامل والانتماءات الخاصة, علما بأن ذلك لا ينطبق على معظم هذه الدول، حيث جرى ائتلاف وطني موحد واسع مناهض للاستعمار الخارجي والاستبداد المحلي في آن واحد. وهو ما أثبتته حركات التحرر الوطني في بلدان المشرق والمغرب العربي، غير أن الإفرازات السلبية الحقيقية تفرض على الدولة العربية أن تراعي هذه المسألة التي خلقتها بفعل سياساتها ومواقفها، وذلك بعدم الانجرار وراء المخاوف التي تثيرها السيناريوهات المختلفة الموضوعة خدمة للمصالح الأجنبية والأميركية على وجه الخصوص لإعادة تفكيك المنطقة وإعادة تركيبها تحت عناوين ولافتات مختلفة قد يكون من بينها الدفاع عن حقوق الأقليات الإثنية والدينية والطائفية. وفي الحالة السعودية وأعني هنا الشيعة اليوم وربما الحجاز وعسير غدا، فإن الإصلاح والتطور هو المدخل الصحيح والوحيد للحفاظ على وحدة هذه الأنظمة وتجديد وترسيخ شرعيتها المتآكلة بعد الاستبداد والفساد واحتكار السلطة ومنع المشاركة الشعبية، وبالتالي فهذا هو المدخل الحقيقي ليس للحفاظ على الوحدة الوطنية بل للمحافظة على وجود الأنظمة واستمرارها. وضمن هذا الإطار والرؤية فإن الشيعة قدموا مطالب واضحة ومشروعة عبرت عنها وثيقتهم "شركاء في الوطن". إن الإصغاء الدقيق والمسؤول والتعاطف الذي عبر عنه سمو ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز حين استقبل الوفد الذي حمل إليه تطلعات آمال المواطنين الشيعة، يتطلب وقبل كل شيء الترجمة العملية في ما جاء في المطالب الإصلاحية التي تضمنتها وثيقة "رؤيا الحاضر ومستقبل الوطن" التي قدمها لفيف من النخب والمثقفين الوطنيين السعوديين، وهذا هو السبيل والمخرج الحقيقي من الأزمة التي تمر بها بلادنا والتي نشاهد بعض فصولها الدامية في الوقت الحاضر. فالشيعة أكدوا في وثيقتهم ارتباطهم وانتماءهم النهائي لهذا الوطن المشترك وأن مطالبهم تتقاطع وتندمج مع المطالب والتطلعات الوطنية المشتركة في ضرورة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي وإشاعة ثقافة التسامح والقبول بالآخر، وهذا يستدعي بالضرورة إقامة دولة القانون والمؤسسات (دولة كل المواطنين المتساوين في الحقوق والواجبات) التي تضع حدا لكل التجاوزات ومظاهر الفساد المالي والإداري والتأكيد على الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية -المنتخبة وليست المعينة- والقضائية وإطلاق وتطوير خطاب ديني وإعلامي وثقافي متنور يحترم ويتقبل التعددية السياسية والاجتماعية والثقافية والمذهبية. في اعتقادي هذه المتطلبات هي الضامن الحقيقي والوحيد لاستقرار أمن وتطور ووحدة الوطن الحبيب.

* كاتب سعودي.

** مجموعة سعودية سلفية كانت جزءا من الحركة الوهابية.

 



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل 0.64 من 5التصويتات 11تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع