BBC العربية: مقتل 10 في غارة جوية حكومية على بلدة الحويجة بالعراق *** الجزيرة: عشرات الضحايا المدنيين بقصف القوات الحكومية بالعراق *** العربية: نظام الأسد يقصف جنوده في جرمانا عن طريق الخطأ *** الجزيرة: الائتلاف السوري المعارض يقيل حكومة أحمد طعمة *** BBC العربية: اليمن: توقع اندلاع مواجهات جديدة في أرحب
  • الثلاثاء 22 يوليو 2014م
  • الثلاثاء 25 رمضان 1435هـ
المقالات ملفات إيرانية الحالة الاقتصاديةتاريخ البترول في إيران
د. يحيى داود عباس

مختارات إيرانية – العدد 81- إبريل 2007م *

 أصبح العالم الإسلامي في بداية القرن التاسع عشر في مقدمة الأهداف التي صوبت إليها حملات الغرب الثلاث، وهي حملات التبشير والاستغلال والاستعمار، وكانت منطقة الشرق الأوسط قد بدت في النصف الأول من القرن العشرين كأكبر مستودع ومصدر للطاقة التي قامت عليها الثورة الصناعية الثانية، وكان بترولها الرخيص في البداية أهم دعم اقتصادي حصت عليه أوروبا الغربية، ذلك لأن البترول يحتل مركز الصدارة في تطوير الصناعات الحديثة وحركتها، إذ أنه الطاقة الرئيسية لتدوير عجلات الصناعة، والمادة الأساسية لإنتاج المنتجات البتروكيماوية.

ولم تكن إيران تملك من حقوق التصرف في سياساتها الداخلية أو الخارجية ما تملكه الدول المستقلة. وتسابقت بريطانيا وروسيا على كسب الامتيازات والرخص من الحكومة الإيرانية، وتمادى حلول الدولة القاجارية (1795-1925م) في سياسة الاقتراض ومنح الرخص ورهن الموارد لبريطانيا وروسيا، وإيران غنية بثرواتها البترولية، ولقد أثبتت الأبحاث العلمية والاكتشافات البترولية أن ثلثي كمية البترول في العالم مخزونة في منطقة الخليج، وإيران إحدى دول الخليج، وتلعب دورًا بارزًا ومهمًا في منظمة الدول المنتجة للبترول (أوبك).

وتحتفل الجمهورية الإسلامية الإيرانية باليوم الوطني للبترول في ذكرى تأميمه (20/3/1951م)، وترى أن حركة تأميم صناعة البترول التي تزعمها الدكتور محمد مصدق تمثل أحد مفاخر الشعب الإيراني خلال تاريخ نضاله الوطني.

والاقتصاد الإيراني مرتبط إلى حد بعيد بالبترول، وإذا انخفض سعر البترول يواجه هذا الاقتصاد مشكلات عديدة وتشكل عائدات البترول المورد الرئيسي للدخل القومي الإيراني، والمصدر الأساسي للعملة الصعبة، حيث تعتمد إيران على البترول في صادراتها بشكل كبير، وقد اعتمدت الميزانية العامة في إيران على عوائد البترول والغاز الطبيعي بشكل أساسي في الخمسين عامًا الأخيرة، ذلك لأن إيران رابع دولة منتجة للبترول في العالم وثاني دولة مصدرة له كما أنها تمتلك احتياطيًا ضخمًا من الغاز الطبيعي يجعلها تأتي في المرتبة الثانية في العالم بعد روسيا الاتحادية.

وتاريخ البترول في إيران ـ بوصفها دولة مهمة من دول منطقة الشرق الأوسط الحساسة ـ مليء بالأحداث والتطورات الاقتصادية والسياسية، وزاخر بالنضال والكفاح وبالدسائس والمؤامرات والصعود والهبوط والاغتيالات والانقلابات والثورات. وقد مر البترول الإيراني عبر تاريخه بمراحل أربع:

المرحلة الأولى: منذ بداية ظهور البترول في إيران وحتى مرحلة ما قبل التأميم في 20/3/1951:

تذكر بعض المراجع أن ينابيع البترول كانت تنساب خلال الصخور في إيران منذ أن ظهر الإنسان الأول على سطح الهضبة الإيرانية، ومن المحتمل أن تدفقات هذا البترول أو الغاز المنساب من القيعان المحملة بالزيت قد اشتعلت بفعل البرق، وأن أول بئر بترول حفر بأمر من دار يوش الكبير (552-486 ق.م)، وأن هذا البئر يقع في منطقة شوش الواقعة في خوزستان الغنية بالبترول. وكان القدماء يستفيدون من البترول في تكوين التماثيل وفي العلاج عن طريق تبخير المريض بحرق الأسفلت، كما استخدم الأسفلت في بناء الجدران والأعمدة والحجرات وفي دهان الأبواب.. وكان القار الأسود يشفي الدمامل، كما كانت بعض مشتقات البترول تعالج بعض الأمراض الجلدية وآلم الأسنان وغيرها من الأمراض. كما استخدم القار في عمليات البناء واستخدم البترول في الحروب وفي التدفئة والإضاءة.

وفي العصر الحديث أعطى أول امتياز للتنقيب عن البترول عام 1872 للبارون جوليوس رويتر البريطاني الجنسية في عهد ناصر الدين مشاه القاجاري (1848-1896)، لكن المعارضة الشعبية أدت إلى إلغاء هذا الامتياز نظرًا لضآلة حصة إيران من عائدات البترول. ومنذ أن اكتشف احتياطي البترول الهائل في نهاية القرن التاسع عشر في جنوب إيران سال لعاب دول الغرب، وتمكن المهندس "لويم نوكس دارس" البريطاني الجنسية من الحصول على امتياز التنقيب عن البترول في جميع أنحاء إيران ما عدا المقاطعات الشمالية الواقعة تحت النفوذ الروسي وهي: (آذربيجان. جيلان ـ مازندران ـ جرجان ـ خراسان)، وذلك في عام 1901 في عهد مظفر الدين مشاه القاجاري (1896-1906) مقابل تسديد نسبة تساوي 16% من صافي الأرباح إلى الحكومية الإيرانية، بالإضافة إلى رسوم امتياز وحصة من أسهم الشركة. وكانت مدة الامتياز ستين عامًا، وهي مدة طويلة، ولم يقتصر الأمر على التنقيب بل تعداه إلى الاستخراج والتكرير والبيع والتصدير.

وبعد أن ظفر "دارس" بهذا الامتياز فوض الحكومة البريطانية في جميع الحقوق المترتبة عليه. وفي عام 1907 أبرمت بين روسيا القيصرية وبريطانيا معاهدة تم الاتفاق فيها على تقسيم إيران إلى ثلاث مناطق: منطقة نفوذ روسية كبيرة في الشمال، ومنطقة نفوذ بريطانية صغيرة في الجنوب (حيث يوجد البترول)، ومنطقة عازلة محايدة تشمل طهران بينهما، مع التأكيد على حرص الدولتين على استقلال إيران وسيادتها في البنود الأخيرة من المعاهدة!!

وفي عام 1908م بدأ تدفق البترول بغزارة في أول بئر حفر في منطقة "مسجد سليمان" في جنوبي البلاد وهي منطقة النفوذ البريطانية. وفي عام 1909م أنشئت شركة البترول البريطانية الإيرانية في لندن لمباشرة تنفيذ بنود الامتياز، وهي الشركة ـ التي أصبحت بعد وقت قصير من أكثر شركات البترول نفوذًا في العالم، وتم إنشاء فرع لهذه الشركة في إيران، لم يكن لإيران الحق في التدخل في شئون الشركة، وكان العمال البسطاء من إيران، وكان سائر العاملين والموظفين من جنسيات أخرى يختارها صاحب الامتياز، وكانت البحرية البريطانية هي المساهمة الرئيسية في هذه الشركة التي كانت تزود الأسطول البريطاني بالبترول بكميات كبيرة وأسعار زهيدة تقل عن السعر العالمي، كما كانت الشركة تقدم نسبة (3%) من الأرباح لزعماء القبائل والعشائر لحراسة المنشآت البترولية وضمان الأمن والهدوء في المنطقة.

واستمر إنتاج البترول وتصديره وفق بنود امتياز دارس حتى تم إلغاء هذا الامتياز عام 1932م من جانب الحكومة الإيرانية والبرلمان الإيراني اللذين شعرا بالغبن الذي لحق باقتصاد البلاد وبالدخل القومي بسبب هذه الاتفاقية الجائرة المجحفة. وتفاوضت الحكومة على عقد اتفاق آخر في أواخر إبريل عام 1933م مع شركة البترول البريطانية ـ الإيرانية بشروط جديدة تحافظ على حقوق إيران ومصالحها الوطنية. وقد قلصت هذه الشروط مساحة المناطق التي يشملها الامتياز إلى مائة ألف ميل مربع، وزادت عائدات إيران من نفطها، فأصبحت حوالي 20%، إلا أن مدة الامتياز مددت حتى عام 1993م. وتم الاتفاق بين الطرفين على استبدال العمال الإيرانيين ـ بالتدريج ـ بالعمال الأجانب، وعلى تدريب الجيل الشاب من الإيرانيين على العمل في مجالات صناعة البترول، وبعد أن كنت إيران تحصل في امتياز دارس على (0.17) من الدولار على كل برميل مصدر، أصبحت تحصل على (0.23) في الامتياز الجديد. وارتفعت كمية البترول المستخرج من عام 1933م وحتى عام 1951م، وزادت المبيعات وزاد التصدير، ووصلت أرباح الشركة إلى أرقام فلكية، لكن إيران لم تستفد كثيرًا من هذه الأرباح، وكان المستفيد الحقيقي هم المساهمون البريطانيون والخزانة البريطانية، ولم تنفذ بريطانيا معظم بنود الاتفاقية، وبخاصة البنود المتعلقة بتدريب الخبراء الفنيين الإيرانيين، وخفض أعداد العمال الأجانب، وتوفير السكن للعمال الإيرانيين، ومنحهم مرتبات مجزية مثلهم مثل الأجانب، وكان جزء كبير من العائدات والأرباح الناتجة عن الاستفادة من البترول الإيراني يستثمر من جانب البريطانيين في سائر دول العالم لاكتشاف واستخراج البترول. وكانت الشركة تحرق الغاز الطبيعي المتدفق مع الزيت، ولم تكن إيران تستفيد من هذا الغاز لأنه كان يهدر دون جدوى. بالإضافة إلى أن نسبة الأرباح التي كانت الشرك البريطانية الإيرانية تقدمها إلى الكويت والعراق وغيرها من الدول تفوق ما كنت تقدمها لإيران بمراحل. وفي الوقت الذي كانت شركات البترول الأمريكية قد عقدت فيه اتفاقية مع السعويدة على اساس تنصيف عائدات البترول، كانت شركة البترول البريطانية الإيرانية تسدد لإيران أقل من (30%)، ولما طالب الإيرانيون بزيادة العائدات إلى مستوى مماثل رفضت الشركة هذا المطلب. هذا بالإضافة إلى أن الشركة كانت تحول دون دخول أية دولة أو شركة بترولية أخرى إلى المناطق التي يشملها الامتياز.

وفي الحرب العالمية الثانية (1939-1945) كان موقع إيران الجغرافي الاستراتيجي وتعاظم أهمية البترول في الحر سببًا دفع الحلفاء إلى توريط إيران في نشاطاتهم العسكرية أثناء الحرب، رغم إعلان إيران أنها تقف مرقفًا "محايدًا"، وبعد احتلال اليابان لإندونيسيا، "أصبح البترول الإيراني الاحتياطي الوحيد للحفاء في الشرق، ولجأت بريطانيا والاتحاد السوفيتي إلى احتلال إيران في الخامس والعشرين من شهر أغسطس عام 1941م، ودخلت بريطانيا من الجنوب، ودخل الاتحاد السوفيتي السابق من الشمال، للدفاع عن خطوط الإمداد، وبحجة وضع حد لنشاطات عملاء الألمان. وكانت إيران معبرًا تموينيًا للبلدين أثناء الحرب، وأجبر الحلفاء رضا شاه (1925-1941م) على التنازل عن العرش لولي عهده (محمد رضا)، وغادر رضا شاه البلاد منفيًا إلى جنوب أفريقيا، حيث قضى هناك بقية حياته، وتوفي في يونيو عام 1944م، ورفضت القوات البريطانية والروسية التي كانت تحتل البلاد ـ آنذاك ـ دفنه في إيران، فنقل جثمانه إلى القاهرة حيث دفن في مسجد الإمام الرفاعي، قبل نقله إلى طهران في مايو عام 1950م، وتشييد ضريح له في مدينة الري (جنوب طهران). ومن المفارقات أن يدفن ابنه الشاه محمد رضا بهلوي أيضًا في مسجد الإمام الرفاعي بالقاهرة في عام 1980م.

وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وتبين الدور المهم الذي لعبه البترول الإيراني خلالها، تسابقت الدول الكبرى وعلى رأسها، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على الحصول على امتيازات بترولية في إيران، إلا أن الحكومة الإيرانية أعلنت رفضها لجميع العروض التي تقدمت بها هذه الدول، وطالبت إيران الشركة البريطانية الإيرانية بإجراء تعديلات على الاتفاقية المبرمة بين البلدين، وتقدمت الشركة باتفاقية إضافية أو مكملة تضمن بنودًا لصالح إيران ـ إلى حد ما ـ إلا أن الاتفاقية لم تفي بالغرض المطلوب، ولم تضمن كامل حقوق إيران في ثروتها البترولية، ولذلك رفضها البرلمان الإيراني. وأقر ـ في وقت لاحق ـ قانون تأميم صناعة البترول.

المرحلة الثانية: (من تأميم صناعة البترول في 20/3/1951م إلى الإطاحة بالدكتور مصدق):

أدى عدم التزام شركة البترول البريطانية الإيرانية ببنود اتفاق عام 1933م، وتدخل الشركة في الشئون الداخلية والسياسية لإيران بصفة دائمة إلى التفكير في إلغاء الاتفاق، وأصبح إلغاء هذا الاتفاق مطلبًا وطنيًا. وتفاقم سخط الجماهير على بريطانيا وعلى استغلالها للبترول الإيراني، وتدخلها في الشئون الإيرانية. وتزعمت الجبهة الوطنية تحت قيادة الدكتور محمد مصدق هذه الجماهير، وهي الجبهة التي كانت قد تكونت في أعقاب الحرب العالمية الثانية من عدد من المثقفين والتقدميين الإيرانيي، وكان تأميم صناعة البترول أهم أهداف الجبهة السياسية، وكانت هذه الجبهة تشكل أكبر حزب معارض داخل البرلمان الإيراني، ومصدق هو مؤسس هذه الجبهة، كما أنه كان يرأس لجنة البترول في البرلمان. وعندما تقدمت بريطانيا باتفاقية إضافية بشروط أفضل بالسنبة لإيران، عرضت الحكومة الإيرانية الاتفاقية على أعضاء البرلمان الذين قرروا تشكيل لجنة خاصة لبحث ودراسة الاتفاقية وتفصيلاتها، وتقديم تقرير مفصل عنها، واجتمعت اللجنة وأعدت تقريرًا رفضت فيه الاتفاقية الإضافية، وتقدم مصدق بطلب تأميم صناعة البترول. لكن البرلمان رفض هذا الطلب، وشكل لجنة لرسم الخطوط العريضة لسياسة البلاد البترولية، وتقدمت اللجنة بمشروع تأميم البترول إلى البرلمان في وقت لاحق، وصدق مجلس النواب والشيوخ على المشروع، وانتخب مصدق رئيسًا للوزراء، ووضع قرار التأميم موضع التنفيذ في جميع أنحاء إيران، وتم تأسيس شركة البترول الوطنية.

والحقيقة أن حركة التأميم كانت ورائها دوافع كثيرة تتمثل في أن شركة البترول البريطانية الإيرانية كانت دولة داخل دولة، وكانت تعين الوزراء وتقيل الوزارات وتسبغ عضوية المجلس النيابي على من تشاء، وكانت تسيطر تمامًا على رؤساء القبائل في جنوب إيران، ومن أهم هذه القبائل في جنوب إيران، ومن أهم هذه القبائل: النجتيارية والقشقائية وقبيلة بني كعب العربية، وكان زعماء هذه القبائل يحصلون على نسبة من أرباح الشركة لحراسة الأنابيب الممتدة عبر الصحاري والآبار والحقول والمنشآت البترولية بالإضافة إلى سوء معاملة موظفي الشركة للإيرانيين وموظفي الحكومة، وكذلك الرغبة في تحسين الأحوال الاقتصادية، والقضاء على النفوذ الأجنبي وعملاء الأجانب في البلاد، والحصول على الحرية والاستقلال في الشئون الداخلية والخارجية.

وغضبت بريطانيا، واعتبرت أن التأميم فسخ للعقد من جانب واحد، ودخلت إيران مرحلة جديدة من تاريخها شكلت مواجهة صريحة مع الاستعمار، وتقدمت بريطانيا بعدة اقتراحات رفضها مصدق، وعرض النزاع على مجلس الأمن وعلى محكمة العدل الدولية، وسافر الدكتور مصدق إلى نيويورك ولاهاي على رأس وفد إيراني لتوضيح موقف إيران، والدفاع عن حق بلاده في التأميم، ونصح مجلس الأمن طرفي النزاع بالتباحث والتفاوض لحل النزاع، وأعلنت محكمة العدل الدولية عدم صلاحيتها لبحث شكوى بريطانيا ضد إيران، وقطعت العلاقات بين بريطانيا وإيران في أكتوبر 1952م، وارتأت بريطانيا اللجوء إلى القوة العسكرية لإرغام إيران على العدول عن التأميم، لكنها لمست معارضة ن حليفتها الولايات المتحدة، وتحركًا من جانب الاتحاد السوفيتي للوقوف إلى جانب إيران، فأحجمت عن الإقدام على القايم بعمل عسكري. وجمدت بريطانيا الودائع والأرصدة الإيرانية المودعة في البنوك البريطانية، ولم تتمكن إيران من تصريف بترولها بسبب ضغوط الإدارة البريطانية على الأسواق العالمية، وحدث نقص شديد في العملة الصعبة واشتدت الأزمة الاقتصادية نتيجة للحصار الاقتصادي الذي فرض على إيران، وطلبت بريطانيا تعويضات من إيران لكن الدكتور مصدق رفض تسديد المبلغ الذي طلبته بريطانيا، واقترح أن تقتصر التعويضات على ما تملكه الشركة من أصول مادية في مدينة آبادان (عبدان) التي أنشئت فيها مصفاة بترول عملاقة.

أما شركة البترول البريطانية الإيرانية فقد غادرها العاملون الأجانب، وتولى الإيرانيون الأمور الفنية والإدارية فيها، وانحصر نشاطها في توفير الوقود والمواد البترولية التي تستهلك داخل البلاد فقط، وانخفض معدل الإنتاج نتيجة لعدم إمكانية تصريفه وتصديره إلى الخارج.

وطلب الدكتور مصدق معونة مالية من الولايات المتحدة لسد العجز في ميزانية الدولة، لكن الولايات المتحدة رفضت بإيعاز من بريطانيا، كما رفضت مساعدة إيران في تسويق المخزون من بترولها. وانشق الكثيرون ممن أغرتهم الأموال والمناصب على الدكتور مصدق، ودبت الخلافات الأيديولوجية في الجبهة الوطنية، وتخلى عنه رجال الدين وعلى رأسهم آية اللَّـه كاشاني، وتدخلت الولايات المتحدة وبريطانيا بالتمويل والتحريض للمحافظة على مصالحها في الخليج، وخوفًا من تداعيات تأميم البترول الإيراني وتأثيره على بلدان الشرق الأوسط المنتجة للبترول. وفي 19/8/1953م ظهرت وحدات من الجيش الإيراني (كان مصدق قد قام بعمليات تطهير للجيش وخفض الميزانية لصالح المشروعات الصحية والزراعية والصناعية، وقلص صلاحيات بعض قادة هذا الجيش وفصل عددًا من ضباطه الفاسدين) في شوارع العاصمة طهران ومعها جماعات من المتظاهرين تنادي بسقوط مصدق، وتهتف للشاه محمد رضا بهلوي، وتطالب بإقصاء الدكتور مصدق وحكومته عن الحكم. وهكذا نجح الانقلاب المضاد الذي دبرته المخابرات البريطانية والأمريكية، وأداره كرميت روزفلت ممثل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في طهران، وأطلق على خطة الانقلاب اسم: آجاكس.

وعاد الشاه محمد رضا بهلوي الذي كان قد اضطر إلى مغادرة البلاد عندما تصاعد الخلاف بينه وبين الدكتور مصدق من روما إلى إيران، وذلك بعد أن اطمأن إلى نجاح الانقلاب المضاد، وسلم مصدق نفسه بعد أن أمطروا منزله بوابل من قذائف الدبابات والرشاشات، وحوكم مصدق أمام محكمة عسكرية ووجهت إليه تهمة الخيانة، وأصدرت المحكمة عليه حكمًا بالسجن لمدة ثلاث سنوات، وتمت ملاحقة واعتقال مؤيديه وانصاره، وتم إعدام الكثيرين منهم، وعلى رأسهم الدكتور حسين فاطمي وزير خارجية مصدق.

وقد لعبت الصحافة وبخاصة الصحف الموالية للجبهة الوطنية دورًا بارزًا في مسألة تأميم صناعة البترول، وفي تصديق مجلس النواب على قانون التأميم، وفي إلغاء معاهدة 1933، حيث حولت القضية من قضية اقتصادية إلى قضية استقلال اقتصادي وسياسي، وهو نفس الاتجاه الذي سار فيه الدكتور مصدق.

وبالإطاحة بمصدق وبحكومته الوطنية التي تبنت تأميم صناعة البترول الإيراني، بدأت صفحة جديدة من صفحات تاريخ إيران السياسي، حيث كان التأميم منطقًا لسلسلة من الإجراءات التي حققت آمال الشعب الإيراني في النهاية، كما أنه كان ـ آنذاك ـ نقطة تحول في تاريخ العلاقات البترولية في العالم كله. وكان له رد فعل دولي كبير، وكان لتجربة مصدق في التأميم أثر إيجابي في الحركات التحررية المناهضة للاستعمار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد أن ضرب مصدق المثل في الوطنية، المطالبة بالحقوق ومواجهة التحديات، وفي التضحية والصمود من أجل الحصول على الاستقلال الوطني.

المرحلة الثالثة: (منذ الإطاحة بمصدق وحكومته في 19/8/1953م وحتى عام 1973م):

تم تعيين الجنرال فضل اللَّـه زاهدي رئيسًا للوزراء بعد الإطاحة بمصدق، وانهالت المعونات والمساعدات الأمريكية على إيران وكانت قد توقفت في الفترة التي رأس فيها الدكتور مصدق رئاسة الوزراء، وقام احتكار غربي جديد للبترول الإيراني وزعت فيه الأنصبة الأجنبية بطريقة جديدة بحيث لا يكون للبريطانيين السيطرة القديمة نفسها على منابع البترول الإيراني. واستؤنفت العلاقات الدبلوماسية بين إيران وبريطانيا في ديسمبر 1953م، وفي أغسطس 1954م أبرم اتفاق بين الحكومة الإيرانية والشركات الأجنبية ينص على تشكيل كنسرسيوم (اتحاد شركات بترولية عالمية)، وهي ثماني شركات أمريكية وفرنسية وهولندية إلى جانب شركة البترول البريطانية الإيرانية. وذلك من أجل استغلال البترول الإيراني وتسويقه. وكانت أسهم هذه الشركات مقسمة على النحو التالي:

شركة البترول البريطانية الإيرانية 40% ـ الشركات الأمريكية 40% ـ الشركات الهولندية 14% ـ الشركات الفرنسية 6%. وبذلك أصبحت الولايات المتحدة شريكًا له وزنه في صناعة البترول الإيراني. وتم الاتفاق على سريان مفعول الاتفاق لمدة خمسة وعشرين عامًا تجدد ـ بإخطار سابق ـ ثلاث دورات أخرى، مدة كل دورة خمس سنوات. ووافقت الحكومة الإيرانية الجديدة على دفع تعويضات لبريطانيا عن سنوات التأميم، وهي فترة حكومة الدكتور مصدق.

وهكذا تم ـ عمليًا ـ تجاهل قانون تأميم صناعة البترول الإيراني الذي كان من الأحداث المهمة والعلامات البارزة في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد ذكر الشاه محمد رضا بهلوي أنه كان من الصعب أن يعقد اتفاق ـ آنذاك ـ أفضل من ذلك. وقال رئيس الوزراء عباس هويدا أثناء تقديمه للائحة اتفاقية الكونسرسيوم إلى البرلمان: إن الاتفاق المذكور لم يكن الشيء الذي نصبوا إليه.

وأحكمت الولايات المتحدة قبضتها على إيران بعد أن حلت محل بريطانيا، وسيطرت على الجيش والمخابرات والمؤسسات الاقتصادية، وصارت إيران أهم وأضمن قاعدة سياسية وعسكرية للولايات المتحدة في العالم أجمع طوال خمس وعشرين سنة. وانهمرت أرباح البترول التي كانت قد توقفت خلال فترة مصدق وحكومته الوطنية على اتحاد الشركات البترولية التابعة للدول الغربية. وزاد عدد الخبراء العسكريين الذي تقتضي صفقات السلاح وجودهم على أرضي إيران.

وفي عام 1957م عقدت إيران معاهدة مع شركة "آجيب" الإيطالية، وتم إنشاء شركة إيرانية إيطالية مشتركة، وكانت إيران تمتلك 50% من أسهم هذه الشركة وقد أغضبت هذه المعاهدة شركات الكونسرسيوم التي كانت تريد احتكار بترول إيران. وبعد فترة قصيرة عقدت إيران اتفاقية لاستخراج البترول في إيران مع شركة "بان أمريكان"، وامتلكت شركة البترول الوطنية الإيرانية 50% من أسهم هذه الشركة أيضًا.

المرحلة الرابعة: (من 31 يوليو 1973م وحتى الآن):

في 31/7/19973 قام الشاه محمد رضا بهلوي (1941-1979م) بإلغاء اتفاقية الكونسرسيوم ومن ثم إنهاء سيطرة الشركات العالمية الثمانية على استخراج وبيع وتسويق البترول والغاز الإيرانيين. وقد أعاد هذا القرار لإيران سيطرتها الكاملة على مصادر ثروتها القومية، وأتاح لإيران إيرادات أوفر مكنتها من تقوية وبناء مشروعاته الاقتصادية في جميع المجالات، ولم تهيمن إيران على الإدارة الكاملة لجميع منشآتها البترولية فقط، بل أصبحت لها الحرية الكاملة في تحديد شروط بيع بترولها. ولقد اعتبر إلغاء معاهدة 1954م نجاحًا كبيرًا حققته إيران، وانتصارًا كبيرًا صب في مصلحة الشعب الإيراني.

وفي حرب أكتوبر (1973م) فرضت الدول العربية حظرًا بتروليًا على الدول الداعمة لإسرائيل، واستخدمت البترول كسلاح سياسي، لكن إيران رأت أن الأمر لا يخصها، واستفادت كثيرًا من نظرية ملء الفراغ.

على الرغم من أن الشاه محمد رضا بهلوي استجاب لطلب الرئيس السادات أثناء حرب أكتوبر، وأمده بكميات من البترول لتموين الطائرات وتشغيل الفرق الآلية، وذلك بعد أن أصدر أوامره لإحدى ناقلات البترول الإيرانية بأن تغير اتجاهها وأن تفرغ حمولتها في مصر.

وقفز الدخل القومي الإيراني قفزة هائلة بعد ارتفاع أسعار البترول أثناء حرب أكتوبر، وفي ديسمبر عام 1973م طلب الشاه من دول منظمة الأوبك زيادة أسعار البترول الخام، وتقرر بالفعل زيادة سعر برميل البترول من (5.032) إلى (11.651) دولار، وشنت وسائل الإعلام الغربية هجومًا على الشاه اتهمته بتخريب الاقتصاد الغربي، بل واقتصاد العالم كله، وصرح الشاه في مؤتمر صحفي بأن السعر الجديدة ليس كافيًا وأنه معتدل ومعقول، لأن البترول مادة مهمة ويشتق منها ـ آنذاك ـ حوالي سبعين ألف منتج مختلف، وأن سياسة البترول الرخيص سياسة قصيرة النظر، ستؤدي إلى إتلاف مصادر البترول الموجودة، وستجعل العالم يواجه كارثة اقتصادية.

ولم تقف الشركات البترولية الكبرى مكتوفة الأيدي، وسقطت طائرة رئيس شركة "أجيب" البترولية الإيطالية التي عقدت مع إيران معاهدة بترولية ثورية، وأثبتت التحقيقات وجود قنبلة في الطائرة، على الرغم من أن التقرير الرسمي ذكر أن سبب سقوط الطائرة هو: فقدان الرؤية الكافية. وبدأت وسائل الإعلام الدولية هجومًا واسع النطاق ضد إيران والشاه، وشجعت المنظمات الطلابية في الخارج في نشاطها المضاد لإيران والشاه.

وكانت المرحلة الرابعة بداية التحول العميق الذي طرأ على العلاقات الإيرانية الأمريكية في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وبدأت الولايات المتحدة تضيق ذرعًا بسياسة منظمة الأوبك، ووصفت الشاه بأنه أحد صقورها البارزين الدين يمارسون ضغوطهم على المنظمة لزيادة أسعار البترول، وشجعت مؤسسة حقوق الإنسان العالمية على التنديد بأسلوب تعامل الشاه مع معارضيه السياسيين في الداخل والتصفية الجدية للرموز الوطنية المعارضة في الخارج.

وتواصل الانتقال من الشاه خاصة وأنه بدأ صفحة جديدة مع العرب بعد أكتوبر 1973م، وأخذ يدين مواقف إسرائيل وسياستها، ويدافع عن وجهة نظر العرب ومواقفهم. ولهذا السبب كانت إسرائيل أول من عمل على الإطاحة بالشاه، وكان اليهود الإيرانيون أول من استعدوا لذلك بتهريب أموالهم خارج إيران.

وأعلنت شركة الكونسرسيوم تخفيض مشترياتها من البترول الإيراني في عام 1977م بحجة ارتفاع أسعاره، فانخفضت مبيعات إيران البترولية، وأدى انخفاض الدخل المرتقب من البترول في هذا العام إلى توقف موجة رهيبة من الغلاء والتضخم الاقتصادي. وقامت الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية بتحريك المعارضة الإيرانية والطلبة الإيرانيين المقيمين في هذه الدول ضد نظام حكم الشاه. كما اتهمته الولايات المتحدة الأمريكية بتجاهل حقوق الإنسان في إيران.

أما بريطانيا فقد شنت حملة ضد الشاه بإعادة نشر كتاب عن النخبة في إيران للكاتب "مارفن زونيس" الذي ألقي فيه الضوء على حجم المؤسسة الدينية الإيرانية، وعلى الإمام الخميني على وجه الخصوص. كما أتاحت هيئة الإذاعة البريطانية فرصة نادرة لنشر أفكار الخميني، بإذاعة بياناته باللغة الفارسية على الشعب الإيراني من محطتها الموجهة من لندن إلى إيران أثناء وجوده في المنفى في باريس، مما أوحى لرجال الدين الإيراني بأن بريطانيا تؤيد نضالهم ضد الشاه. بالإضافة إلى نشاط أعضاء الجهاز السري البريطاني في الدولة الإيرانية بغرض الإطاحة بنظام الشاه محمد رضا، انتقامًا منه لإلغائه اتفاقية مع الكونسرسيوم.

أما فرنسا التي كانت قد رحبت بالخميني ضيفًا في أراضيها ومنحته حق الإقامة فيها، ليمارس نشاطه ضد الشاه محمد رضا بهلوي، فقد كان الخميني يرسل منها أشرطة (الكاسيت) التي كان يملأها بصوته وبدعوته إلى التمرد والعصيان. كما أن صحيفة "لوموند" الفرنسية نشرت في 6/5/1978م حديثًا أجراه مندوبها مع الخميني عن الديكتاتورية وحرية الصحافة المخنوقة والأحزاب الممنوعة والانتخابات المزورة والدستور المنتهك وموقفه من إسرائيل والعرب ومن القوى الكبرى في العالم، وعن تبديد الثورة البترولية في تخزين السلاح بغير طائل.

وفيما يتعلق بالاتحاد السوفيتي الذي يشارك إيران في حدود تمتد لمسافة 1500 ميل في شمال البلاد والذي كان يطمع دائمًا في الحصول على امتياز بترولي أسوة بالدول الغربية الأخرى، فقد قام بتشجيع الحركات الانفصالية والسياسية المناهضة للحكومة المركزية في طهران، كما عمل على إسقاط بعض الحكومات الإيرانية التي كانت تقف ضد أطماعه. وكان حزب توده الشيوعي عميلاً للسوفييت، وعندما أقدم الدكتور مصدق على تأميم البترول عارض الحزب مشروع التأميم، وقاطع شراء سندات القرض الوطني، كما قاطع الاتحاد السوفيتي شراء بترول إيران وقت الحصار الاقتصادي الذي فرض على إيران آنذاك، على الحصار الاقتصادي الذي فرض على إيران آنذاك، على الرغم من أن الدكتور مصدق عرض بيع البترول الإيراني على الاتحاد السوفيتي بتخفيض مقداره (50%)، وطلب السوفييت الحصول على امتياز للتنقيب عن البترول في شمال إيران. وهكذا وبعد أن كان حلم القياصرة القديم هو الوصول إلى مياه الخليج الدافئة، أصبح حلم الماركسية السيطرة على منابع البترول.

ويشير الشاه محمد رضا بهلوي في مذكراته التي كتبها في المنفى إلى البترول الإيراني وإلى موقف الغرب منه، فيقول: بعد إلغاء اتفاق الكونسرسيوم في 31/7/1973 لم تقبل شركات البترول الكبرى أن تبيع لها الشركة الوطنية الإيرانية البترول بتخفيض يصل إلى 50% بعد أن تقوم هذه الشركات بالتنقيب عن البترول والعثور عليه، ولم تقبل هذه الشركات أن تكبر الشركة الوطنية الإيرانية، وأن تقوم بإنشاء معامل تكرير في آسيا وأفريقيا، وأن تشارك شركة البترول البريطانية في الاستفادة من بترول وغاز بحر الشمال، وأن تنافس الشركات الكبرى مثل: شركة شل وشركة اكسون موبيل.

ويضيف الشاه قائلاً في موضع آخر من مذكراته: لقد كنت أريد أن أبني إيران قبل أن ينتهي الاحتياطي البترولي فيها لكن كان لي معارضون كثيرون حاولوا إفشالي في هذا المجال، وفي مقدمة هؤلاء يمكن ذكر أسماء مجموعة شركات البترول الكبرى التي لم تكن ترغب في أن تخرج سياسة بيع البترول بالسعر العادل من دائرة هيمنتهم. كما أن هذه الشركات لم تكن ترغب في التسليم بضرورة الإقدام على التضحيات اللازمة من أجل توزيع الثروات من جديد بين الدول الصناعية والمجتمعات النامية. لهذا كله اختاروا التضحية بإيران كنموذج يعتبر به، وهبوا لتخريبها، ولم يختاروا بلدًا مثل ليبيا. كما يذكر الشاه في موضع آخر أن شخصيتين أمريكيتين مهمتين تعملان في مجال البترول الأمريكي قالتا في عام 1976م: إن أمر الشاه سوف ينتهي تمامًا بعد عامين.

وعن نفاد الاحتياطي البترولي الإيراني قال الشاه في مذكراته: لقد قلت غير مرة إن مستقبل إيران يجب ألا يكون مرهونًا بالبترول ... فبعد حوالي ثلاثين عامًا أخرى (كان يتحدث عن عائدات البترول عام 1977م) حيث سيبلغ عدد سكان إيران (65) مليون نسمة. سوف تنضب مصادرنا البترولية، لذلك يجب أن نفكر من الآن في هذا الأمر، فالسياسة ليست إلا فن التوقع، لذلك فكرنا في إنشاء محطة كبرى لإنتاج الكهرباء الذرية بالتعاون مع ألمانيا وفرنسا، إن جريمتي إنني أردت أن أخرج إيران من عصر البترول وأدخلها في عصر الذرة في الوقت المناسب، وقبل أن يفوت الأوان.

وذكر الشاه في كتابه: بسوى تمدن بزرك (نحو حضارة عظيمة): أن مصادر بترولنا ومصادر البترول في العالم كله ستنضب في المستقبل القريب، وسواء أردنا أم أبينا، سنصل إلى مرحلة الاستفادة من مصادر الطاقة الأخرى، ولهذا السبب بدأنا في تنفيذ برنامج طموح من أجل الاستفادة من الطاقة النووية بالإضافة إلى الطاقة الشمسية والطاقة الهيدروجينية.

وإذا كان البترول قد لعب دورًا في الإطاحة بالشاه بعد أن تضافرت جهود القوى الأجنبية ضده لأسباب لعل البترول يكون أهمها وأولها، فإن له دورًأ في قيام الثورة في 11/2/1979م بعد أن أدرك الشعب أن الشاه يبدد الثورة البترولية من أجل شراء السلاح وبخاصة بعد الزيادة الكبيرة في أسعار البترول بعد حرب أكتوبر عام 1973م، وهي الزيادة التي مكنت الشاه من شراء أسلحة متنوعة ومتطورة. وكانت قد حدثت اعتصامات واضطرابات في قطاع البترول وغيره من القطاعات والمؤسسات. وقال أحد عمال تكرير البترول لمراسل أمريكي: إننا لن نصدر البترول إلا بعد أن نصدر الشاه شخصيًا. وكانت اضطرابات عمال البترول على رأس هذه الاضطرابات وأكثرها تاثيرًا، لأن هؤلاء العمال امتنعوا عن تصدير البترول خارج إيران، وحرموا النظام من المصدر الوحيد للدخل. وشكل شاهبور بختيار آخر حكومة قبل نجاح الثورة، وقدم بعض الوعود للمواطنين ومنها: وقف تصدير البترول إلى إسرائيل، إلا أن نطاق معارضة الشاه اتسع.

ولعب البترول دوره في استمرار الثورة الإسلامية، وفي استقرار النظام الجديد، وفي دعم النظام السياسي خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980-1988م) على الرغم من أن هذه الحرب استنزفت قدرات وطاقات ظاهرة وكامنة لبلدين من أهم البلدان المنتجة للبترول في المنطقة، وأن منشآت البترول ومعامل التكرير وشبكات الأنابيب تعرضت للقصف خلال فترة الحرب، وكانت تتم إعادة بناء هذه المنشآت وهذه المعامل وهذه الشبكات التي لحقت بها الأضرار نتيجة لعمليات القصف. كما كان البترول وسيلة لخروج إيران من عزلتها السياسية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية عليها، وكسر الحصار الاقتصادي الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك على الرغم من أن قطاع البترول الإيراني شهد انخفاضًا حادًا في مجالات الاستثمار الأجنبية في بداية الثورة وخلال الحرب العراقية الإيرانية، بسبب زيادة معدل مخاطر الاستثمارات، وتغيير الدستور الإيراني، وما تبعه من تغيير قانون قطاع البترول. كما كان للبترول دور بارز في مرحلة إعادة البناء والتعمير.

أهمية بترول إيران وموقعها:

البترول مادة عالمية حيوية يحتاج إليها الجميع بلا استثناء، وتعد إيران، التي تفاخر بأنها أول دولة أنتجت البترول في الشرق الأوسط، دولة بترولية رئيسية في العالم. وقد أنشئ قطاع البترول في إيران منذ أكثر من مائة عام، ويعد هذا القطاع من أهم وأضخم القطاعات الصناعية في إيران، كما أنه يعد المصدر الرئيسي للعملة الصعبة، والمصدر الذي يغطي نفقات المشروعات المتعلقة بالبنية التحتية والعمران. وصار البترول أحد العوامل المرتبطة بالأزمات والمشكلات التي تعاني منها إيران في الوقت الراهن، ذلك لأن إيران تمتلك ثاني احتياطي بترولي في العالم بعد السعودية (137.5 مليار برميل في نهاية عام 2005م)، كما أنها رابع دولة منتجة للبترول بعد السعودية وروسيا الاتحادية والولايات المتحدة، وهي ثاني أكبر الأعضاء في منظمة الأوبك بعد السعودية. وذكر التقرير السنوي الصادر عن شركة "بريتش بيتروليوم" أن مصادر البترول الإيرانية ستبقى (93) سنة أخرى في حالة المحافظة على معدل الإنتاج الحالي (متوسط إنتاج إيران من البترول الخام في عام 2005م (4) مليون و(49) ألف برميل يوميًا)، وان إيران تمتلك 14.9% من احتياطي الغاز العالمي، وهذا يجعلها تحتل المرتبة الثانية بعد روسيا الاتحادية. وإيران تمتلك مخزونًا هائلاً من الغاز يبلغ (27) تريليون لتر معكب. والغاز هو المحرك الثاني للاقتصاد الإيراني، وقد أبرمت إيران اتفاقيات لبيع الغاز الطبيعي مع تركيا في عام 1996م، ومع الهند وكوريا وبعض الأسواق الأوروبية. ومن المعروف أن إيران تشجع الآن على استهلاك الغاز داخل البلاد، لأن نفقات إنتاج الغاز أقل بكثير من نفقات إنتاج البترول، وأن استبدال أنواع الوقود الموجودة بالغاز يحافظ على احتياطي البلاد من البترول، ويخفض نسبة التلوث.

والزيادة المضطردة في أسعار البترول سمحت بزيادة عائدات إيران من البترول، مما جعلها قادرة على تمويل طموحها النووي في ظل سباق تسلح نووي في منطقة تعج بالمشكلات السياسية وتحفل بالتهديدات، وفي إطار سعيها الواضح لتعزيز دورها الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، على الرغم من حرص المسئولين الإيرانيين دائمًا على التأكيد على ضرورة امتلاك التكنولوجيا النووية وتخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية. كما تقوم إيران الآن بتشجيع الاستثمارات الأجنبية في مجال البترول دون أن تفقد حصتها الكبرى، كما تقوم بتنمية وتطوير حقولها البترولية وحقول الغاز الطبيعي. وتخصص جزءًا كبيرًا من الغاز الطبيعي المستخرج من حقل بارس الجنوبي (حقل بترول وغاز مشترك بين إيران وقطر) للاستهلاك المحلي المتزايد، وجزءًا آخر للضخ في الحقول البترولية التي وصلت إلى منتصف عمرها الافتراضي، لأنه من المعروف أن حقن الغاز من الحقول البترولية في فصل الشتاء يحافظ على غزارة إنتاج هذه الحقول.

كما استغلت إيران مشروع "طريق الحرير"، وهو الخط الذي يصل الصين بأوروبا، ويصل الشرق الأوسط والخليج العربي بالمحيط الهندي عبر إيران، ويربط إيران بدول آسيا الوسطى، في كسر الحظر التجاري الذي فرضته الولايات المتحدة عليها.

وكان قد تم افتتاح خط سكك حديدية دولي جديد بين إيران وتركمنستان، وهو خط: مشهد ـ سرخمس ـ تجن في 14/5/1996، وهو الخط الذي سيربط الصين ودول آسيا الوسطى بأوروبا عن طريق إيران، وسوف يحيي طريق الحرير القديم من جديد. كما تم إنشاء خط حديدي آخر، وهو خط: بانق ـ بندر عباس.

كما استطاعت إيران تأمين أسواق آسيوية تصدر إليها بترولها، وتحركت صوب روسيا لإنشاء شركات مشتركة في مجال التنقي عن البترول وإنتاجه.

أما عن أهمية موقع إيران، فإن إيران تعد بمثابة "القلب" في منطقة العبور بين قارات العالم الثلاث (آسيا ـ أوروبا ـ أفريقيا)، أي أنها تعد طريق مواصلات رئيسي وطريق لتجارة الترانزيت بين الشمال والجنوب. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي واستقلال دول آسيا الوسطى والقوقاز صارت إيران بمثابة جسر اتصال رابط، واهم وأنسب معبر مائي لكل دول آسيا الوسطى والقوقاز، وذلك بسبب تجاورها الجغرافي لهذه المنطقة. وهذا أعطى ميزة جيوبوليتيكية وجيواستراتيجية لإيران.

ولجزر أبي موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى (الجزر الإماراتية التي تحتلها إيران) أهمية كبرى بالنسبة لإيران من الناحية الجيوبوليتيكية، فهي منافذ بحرية لها أهميتها بالنسبة لإيران. وتعد إيران أرخص وأقصر وأنسب طريق لنقل مصادر الطاقة، ومن هنا تأتي أهمية موقع إيران، وتتمتع إيران بعدد كبير من الموانئ في الخليج وبحر عمان، وموانئ الخليج تعد أقرب مكان لنقل البترول إلى أسواق جنوب شرق آسيا التي تتمتع بأعلى معدلات تنمية في العالم، وتستفيد الدول الحبيسة الواقعة في منطقة بحر قزوين (الخزر) وآسيا الوسطى من هذه الموانئ لنقل بترولها وغازها الطبيعي إلى الأسواق العالمية.

ويعد مضيق هرمز أهم نقاط الخليج، وأي خطر يهدد هذا المضيق، سيكون بمثابة الأزمة المؤثرة في العالم كله، وليس من مصحلة إيران زعزعة استقار أمن الخليج لأنها تعد من أهم الدول المصدرة للبترول، ولديها أكبر أساطيل للنقل البحري في مجال البترول في العالم، واستقرار الأمن في الخليج يصب في مصلحة إيران وبقية دول المنطقة. ومضيق هرمز ـ كما هو معلوم ـ ممر مائي ضيق يصفونه بأنه "عنق زجاجة"، يصل الخليج العربي ببحر عمان، يبلغ طوله 270 كم2، وعرضه 47 كم2، ويعد هذا المضيق من أهم المحطات في شبكة نقل البترول في العالم، إذ يمر منه أكثر من 15 مليون برميل بترول يوميًا، بالإضافة إلى البضائع الأخرى والغاز السائل والمنتجات البتروكيماوية. وهو بوابة العبور لما يقرب من 40% من البترول الخام المصدر للعالم. وكانت أهمية هذا المضيق سببًا في المحاولات المستمرة من جانب القوى العظمى (الإقليمية والدولية) للسيطرة عليه بدعوى توفير الحماية اللازمة لخطوط البترول.

وسواء ألمحت إيران غير مرة إلى غلق هذا المضيق، مما قد يؤدي إلى عرقلة وتعطيل حركة الملاحة ومرور ناقلات البترول في الخليج، وقطع شرب الطاقةالغربية، إذا تعرضت صادراتها البترولية لأية تهديدات، وألمحت إلى استخدام سلاح البترول ووقف تصديرها له ـ كرد فعل انتقامي ـ إذا هوجمت مصالحها بسبب برنامجها النووي، أو قامت بضرب ناقلات البترول في مياه الخليج على غرار ما حدث في الحرب العراقية ـ الإيرانية، فإنها إذا نفذت هذه التهديدات وأقدمت على هذه الإجراءات، تكون قد "هدمت المعبد على من فيه"، وطبقت مبدأ: "علي وعلى أعدائي"، وسوف تكون هي أو الخاسرين، بالإضافة إلى زعزعة أمن واستقرار واقتصاد واستثمارات دول الخليج وصناعة البترول العالمية، إذ ستضطرب الأسواق وسترتفع الأسعار. وفي الماقبل، إذا فرضت المجموعة الدولية عقوبات على القطاع البترولي في إيران، أو إذا تم فرض حصار على المشتقات البترولية، وبخاصة البنزين الذي تستورد إيران حوالي 48% من استهلاكها الإجمالي منه، لتعويض النقص الحاصل لها، أو إذا تم منع تطوير وتنمية حقول البترول، أو إذا أحجمت الشركات البترولية الدولية عن الاستثمار في إيران أو إذا فرض حصار بحري على نقل البترول إلى الخارج، فإن هذا كله سيؤدي إلى رفع الأسعار، وهذا يتعارض مع مصالح دول كبرى لها شركات تتفاوض على عقود مهمة في مجال البترول والغاز.

المصادر والمراجع:

1- إيران بين التاج والعمامة ـ أحمد مهابة ـ القاهرة ـ 1989م.

2- إسلام أون لاين ـ 9/2/2006 ـ قطب العربي: هل تصمد إيران أمام الحصار المتوقع؟ أ.د/محمد السعيد عبد المؤمن ـ 11/4/2002: النفط والإصلاح السياسي في إيران.

3- جريدة الأهرام: صفحة الوجه الآخر ـ الأحد 28 يناير 2007م.

4- باسخ به تاريخ: الرد على التاريخ (مذكرات الشاه محمد رضا بهلوي في المنفى).

5- تاريخ إيران السياسي بين ثورتين ـ د/آمال السبكي ـ الكويت 1999م).

6- تاريخ إيران السياسي في القرن العشرين ـ د/عبد السلام فهمي ـ القاهرة 1973م.

7- خاطرات وتألمات مصدق ـ الدكتور/محمد مصدق ـ الطبعة الثانية ـ 1986م.

8- مجلة مختارات إيرانية ـ الأعداد: (1-30-44-73-77).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (*) المؤلف أستاذ اللغة الفارسية ـ جامعة الأزهر

 



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل 0.83 من 5التصويتات 12تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع