قناة الحرة: السفارة الأميركية في بغداد تحذر رعايها من ارتفاع حدة التوتر *** قناة الإخبارية: البحرين: تخريب السفن قبالة الفجيرة عمل إجرامي يهدد حركة الملاحة البحرية *** العربية: قائد الحرس الثوري: الوجود الأميركي في الخليج "كان تهديدا وأصبح فرصة *** العربية: الأمم المتحدة: الحكومة اليمنية ستعيد انتشارها في الحديدة عندما يطلب منها ذلك *** العربية: مجلس التعاون الخليجي يدين تعرض سفن مدنية لأعمال تخريبية قرب المياه الإقليمية للإمارات
  • الاثنين 17 يونيو 2019م
  • الاثنين 14 شوال 1440هـ
المقالات ملفات إيرانية أهل السنة في إيرانجماعة "جند الله".. وحلقة جديدة من الصراع مع الدولة الإيرانية
مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

أخبار الخليج البحرينية 5-ذو القعدة-1430هـ / 3-نوفمبر-2009م

يبدو أن الساحة الداخلية الإيرانية مازالت حُبلى بالأحداث والتطورات الساخنة، رغم حالة الهدوء النسبي التي صبغتها خلال الآونة الأخيرة؛ إذ لم تكد طهران تتخلص من توابع وارتدادات حالة الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي والأمني التي تعرضت لها خلال الشهور القليلة الماضية على خلفية أزمة انتخاباتها الرئاسية الأخيرة، حتى استيقظت مرة أخرى ومعها العالم في صباح الثامن عشر من أكتوبر الجاري على وقع هجوم انتحاري جديد، أعلنت جماعة "جند الله" السنية الإيرانية مسؤوليتها عنه، وأسفر عن مقتل العشرات، من بينهم 15 من كبار قادة وعناصر الحرس الثوري ـ الأمر الذي يطرح حزمة من التساؤلات بشأن: طبيعة الجهة المتورطة في الهجوم، وحدود علاقتها الصراعية مع الدولة الإيرانية، ودلالات استهداف الحرس الثوري تحديدًا، وما يطرحه من تداعيات على الداخل والخارج الإيرانيين، ولاسيما في ضوء ما تعانيه طهران من أزمات داخلية مرتبطة بأوضاع الأقليات العرقية والدينية فيها، وأزمات خارجية مرتبطة بأزمة ملفها النووي مع الغرب.

بداية.. أول ما يلفت الانتباه في هذا الهجوم هو وقوعه في إقليم سيستان ـ بلوشستان الذي يتعرض بين الحين والآخر لهجمات وتفجيرات انتحارية، وهو يتاخم الحدود الباكستانية والأفغانية، ويتسم بصعوبة ووعورة تضاريسه المليئة بالجبال، مما جعله بيئة ملائمة وملاذًا آمنًا لاحتضان جماعة "حركة مقاومة الشعب الإيراني" أو "جند الله" السُنية المعارضة للنظام الإيراني، والتي تتكون بحسب التقديرات من ألف عنصر من أبناء الأقلية البلوشية السُنية التي تتمركز في الإقليم، ويرجع تاريخ نشأتها إلى عام 2002 على يد "عبدالمالك ريجي"، وتتمثل أبرز أهدافها في: المطالبة بإقامة حكم ذاتي في الإقليم، والتقسيم العادل للثروة، وحرية السُنة في بناء المساجد والمدارس، ولا تتورع في سبيل تحقيق تلك الأهداف عن استخدام العنف الذي تراه وسيلة ملائمة للفت النظر إلى المعاناة والتمييز العنصري اللذين يمارسان ضدهم.

ومن هنا، فقد تعددت هجمات جماعة "جند الله" ضد الأهداف الإيرانية، ورغم أن الهجوم الأخير يعتبر الأقوى والأعنف الذي تعلن الجماعة مسؤوليتها عنه، وكذلك هو الأسوأ الذي تشهده إيران من حيث حجم الخسائر البشرية منذ انتهاء الحرب العراقية -الإيرانية، فإنه لم يكن الهجوم الأول لها خلال السنوات الأربع الماضية، إذ قامت بشن سلسلة هجمات استهدفت بشكل خاص مسؤولين حكوميين أمنيين ومدنيين، ففي ديسمبر 2005 قام مسلحوها باختطاف 9 جنود قرب مدينة "زاهدان" عاصمة إقليم سيستان - بلوشستان، أفرجت عن ثمانية منهم وقتلت التاسع، وهو ضابط مخابرات..

وفي مارس 2006 قامت مجموعة مسلحة بفتح النار على موظفين حكوميين، مما أدى إلى مقتل 26 شخصًا، وإصابة 12 من الحرس الثوري.. وفي فبراير 2007 انفجرت سيارة مفخخة عند مرور حافلة تقل أعضاء من وحدة النخبة التابعة للحرس الثوري، مما أدى إلى سقوط 13 قتيلاً و30 جريحًا.. وفي مارس 2009 أسفر كمين تم نصبه لقافلة حكومية عن مقتل حاكم زاهدان و22 شخصًا واحتجاز 7 مسؤولين آخرين .. وفي مايو من العام ذاته شنت الجماعة عملية انتحارية استهدفت مسجدا شيعيا في زاهدان، أدت إلى مقتل 25 قتيلاً، وجرح نحو 60 آخرين.

وفي المقابل تقوم السلطات الإيرانية بشن هجمات مضادة ضد عناصر الجماعة كان آخرها في يوليو الماضي عندما تم إلقاء القبض على بعض عناصرها وإعدام 13 منهم في مدينة زاهدان، فضلاً عن انتظار شقيق قائدها "عبدالمالك ريجي" تنفيذ حكم الإعدام بحقه.. كما أصدرت حكمًا بالإعدام على أمير الجماعة "عبدالمالك ريجي"، بتهمة التورط في عمليات خطف وقتل جنود وتشكيل جماعة مسلحة تناهض الجمهورية الإسلامية.

هذا الطابع الصراعي للعلاقة بين جماعة "جند الله" والسلطات الإيرانية، الذي عكسه الهجوم الأخير بدا أنه يتخذ منحى خطرًا، من خلال تركيز الجماعة في توجيه ضرباتها الموجعة إلى قوات الحرس الثوري، فالهجوم الأخير - كما سبقت الإشارة - استهدف كبار قادته وعناصره، وليس بخاف ما تحظى به هذه القوات من مكانة ونفوذ كبيرين في إيران على الصُعد العسكرية والسياسية والاقتصادية، إذ يُقدر عدد أفرادها بـ 125 ألف عنصر، وتمتلك وحدات برية وبحرية وجوية خاصة بها، فضلاً عن إشرافها على أسلحة إيران الاستراتيجية.

كما تسيطر قوات الحرس الثوري أيضًا على قوات المقاومة شبه النظامية (الباسيج)، التي يبلغ قوامها زهاء 90 ألف رجل وامرأة.. وكذلك تسيطر على زهاء ثلث الاقتصاد الإيراني، وعلى العديد من المختبرات الجامعية وشركات الأسلحة وشركات تصنيع السيارات، وتحتفظ بعناصر لها في السفارات الإيرانية عبر العالم، ويُقال إنها تقوم بتنفيذ العمليات الاستخباراتية.

يضاف إلى ما سبق تكليفها مؤخرًا بحماية منطقة الخليج العربي، للحيلولة دون تعرض إيران لأي هجوم قد يأتي من القواعد العسكرية الموجودة فيها، وهو ما يعني أن الحرس الثوري أصبح القوة الضاربة لإيران ليس على الصعيد الداخلي فحسب، وإنما على الصعيد الخارجي أيضًا.

وفي ظل الاتهامات الإيرانية للولايات المتحدة وبريطانيا بدعم جماعة "جند الله"، فضلاً عن اتهامات طهران للجماعة بالارتباط بتنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان - باكستان"، ووجود أعضائها في الأراضي الباكستانية، وحصولها على دعم كبير من إسلام اباد.. لم يكن من المستغرب أن تتجه أصابع الاتهام الإيرانية بشكل فوري إلى الجهات الثلاث، إضافة إلى إسرائيل بالتورط في الهجوم، وهي الاتهامات التي قوبلت بالنفي من جانب كل من واشنطن ولندن وإسلام اباد، حيث وصف البيت الأبيض الاتهامات بأنها باطلة تمامًا، بل أعلنت واشنطن أنها تبحث إدراج الجماعة على لائحة الإرهاب الأمريكية بعد تبنيها الهجوم الأخير، في حين اعتبرت باكستان أن المسؤولين عن الهجوم يستهدفون التأثير في العلاقات الباكستانية - الإيرانية.

وفي حقيقة الأمر، فإن لجوء المرشد الأعلى "علي خامنئي" إلى استخدام لغة تصعيدية غير مسبوقة باتهامه ما وصفه بـ "أجهزة استخبارات حكومات وقحة" بتقديم الدعم لمنفذي الاعتداء، وتوعد قائد الحرس الثوري الولايات المتحدة وبريطانيا بإجراءات انتقامية، في الوقت الذي عرض فيه الرئيس الروسي "ديمتري ميدفيديف" مساعدته على نظيره الإيراني "محمود أحمدي نجاد" على مكافحة الإرهاب والتطرف.. كل ذلك يثير التساؤل بشأن حقيقة وجود أياد غربية وراء الهجوم.

وفي هذا الإطار برز اتجاهان رئيسيان: الأول: يرى ضلوع الغرب في الهجوم، من خلال دعم "جند الله"، وذلك استنادًا إلى الاعترافات السابقة التي أدلى بها عدد من عناصر الجماعة، ومفادها وجود تعاون أمريكي - بريطاني معها، ناهيك عن أن التوترات الإيرانية - الغربية، يمكن أن تؤيد ما ذكره رئيس مجلس الشورى الإيراني "علي لاريجاني" من أن "هناك يدًا بريطانية ــ أمريكية في هذا الحادث".

أما الاتجاه الثاني، فقد استبعد مشاركة بريطانيا والولايات المتحدة في الهجوم، وذلك استنادًا إلى عدم وجود أي علاقة بين الدولتين بجماعة "جند الله"، علاوة على معاناة الإقليم سوء الأوضاع الاقتصادية، وتضييق السلطات الإيرانية على قاطنيه.

وبصرف النظر عما سبق، فالذي لا شك فيه هو أن الهجوم الأخير ينطوي على عدة تداعيات على الصعيد الداخلي الإيراني، لعل من أبرزها: تزايد خطورة مسألة الأقليات الدينية والعرقية في إيران، ولاسيما في ظل سعي جماعة "جند الله" بشكل كبير إلى لفت الأنظار إلى وجود تمييز عرقي وديني داخل إيران، وتزداد خطورة تلك المسألة بالنظر إلى وجود معظم الأقليات العرقية والدينية الإيرانية، كالبلوش والسنة والاذريين والأكراد، على التخوم الحدودية مع الدول المجاورة، وهو ما يفرض على إيران عبئا كبيرا فيما يتعلق بالحفاظ على الأمن والاستقرار في تلك المناطق، ولاسيما من ناحية الإجراءات الأمنية المباشرة، ومن ناحية الإجراءات الاجتماعية - الاقتصادية.

وعلى ما يبدو فإن الهجوم الأخير في إقليم بلوشستان أعاد إلى الواجهة مجددًا ما يسمى حقوق الأقلية السنية في إيران، فبينما تصر طهران على أن الهجوم مؤامرة تستهدف أمنها، فإن هناك مراقبين يرون أن التركيبة الطائفية قد تشكل بيئة خصبة لتوتر العلاقة بين الدولة ومواطنيها خصوصًا الأقليات، خاصة في ظل تضارب المعلومات إزاء حجم السُنة في إيران، فوفقًا للإحصاءات الرسمية فهم يشكلون 10% من السكان، لكن مصادر سُنية تقول إنهم يشكلون ثلث عدد السكان البالغ 74 مليون نسمة، فيما تذهب مصادر مستقلة إلى أنهم يشكلون ما بين 15 و20% من السكان، وهم مقسمون إلى العرقيات الرئيسية الثلاث الأكراد والبلوش والتركمان، إضافة إلى العرب بإقليم خوزستان الذي كان يسمى عربستان قبل أن تضمه إيران عام 1925، ويسكن هؤلاء قرب حدود إيران مع باكستان وأفغانستان، والعراق وتركمانستان.

من ناحية أخرى، قد يؤدي الهجوم إلى الإسراع في تبني مشروع المصالحة الوطنية في إيران، الذي تتبناه شخصيات محافظة في مجلس تشخيص مصلحة النظام، لمواجهة التحديات التي قد تواجهها طهران، خصوصًا في حالة فشل المحادثات النووية مع الغرب.

أما تداعيات الهجوم الأخير على الصعيد الخارجي، فترتبط بعنصر مهم وهو عنصر التوقيت، فالهجوم جاء قبل يوم واحد فقط من الجولة الثانية للحوار النووي بين إيران والغرب في فيينا، التي بدأت في 19/10/2009، كأن جماعة "جند الله" أرادت بهذا الهجوم توجيه رسالة ليس فقط إلى النظام الإيراني الحاكم، بل أيضًا إلى المجتمع الدولي، من أجل جذب الأنظار الخارجية للحصول على دعم خارجي وتأييد مطالبها العرقية أو الدينية سواء ما يتعلق بالعدل والمساواة في التعامل مع الأقليات العرقية داخل إيران، أو فيما يتعلق أيضًا بالموقف الإيراني من الأقلية السنية التي تعيش على أراضيها.

وثمة اتجاه لدى المراقبين يرى وجود صلة بين الهجوم والحوار النووي الجاري بين إيران والغرب، فهناك بحسب هؤلاء محاولة من قبل الحكومة الإيرانية لتصدير مسؤولية هذا الهجوم إلى الخارج، وبالتالي محاولة استثماره سياسيا لتقوية موقفها التفاوضي مع الغرب.. غير أن اللافت هنا أن طهران استخدمت لهجة غير معتادة حيال واشنطن فيما يتعلق بمحادثاتها النووية، إذ قالت طهران إنها تريد أن تتعاون مع واشنطن وموسكو لتنفيذ مقترح إرسال 1200 كيلوجرام من اليورانيوم الإيراني للخارج لتخصيبه بدرجة تسمح باستخدامه كوقود نووي.

ولعل من أبرز تداعيات الهجوم على الصعيد الخارجي، انعكاساته السلبية فيما يخص توتر العلاقات بين إيران وباكستان، وذلك على خلفية اتهامات الأولى للثانية بالتورط في الهجوم، ومسارعة طهران إلى استدعاء القائم بالأعمال الباكستاني احتجاجًا على قيام الإرهابيين باستخدام الأراضي الباكستانية في شن الهجوم، والأكثر من ذلك تشديد إيران من لهجتها تجاه إسلام اباد، بمطالبتها الأخيرة بتسليم زعيم الجماعة، والمساعدة على ملاحقة المسؤولين عن الهجوم، ولاسيما أنها أعلنت على لسان قائد الحرس الثوري امتلاكها أدلة على وجود صلات مباشرة بين الجماعة وأجهزة استخبارات أمريكية، وبريطانية، وباكستانية.

وفوق هذا وذاك، تلميح القيادة الإيرانية إلى استعداد الحرس الثوري للتوغل في الأراضي الباكستانية من أجل ضرب الجماعة واعتقال رموزها، خصوصًا زعيمها "عبدالمالك ريجي"، مشيرة إلى وجود أدلة على تلقي الجماعة دعمًا من واشنطن ولندن والاستخبارات الباكستانية.. وهو الأمر - أي دخول قوات إيرانية إلى الأراضي الباكستانية - الذي يرى المراقبون أنه قد يقابل بالقوة من قبل باكستان لإدانتها الهجوم ونفيها التورط فيه، وذلك رغم إصرار طهران على ضرورة قيام إسلام اباد بملاحقة وتسليم الضالعين في الهجوم، وإبقائها الخيارات كافة مفتوحة في حالة عدم تحرك باكستان بالرغم من تأكيد الأخيرة على لسان وزير داخليتها في 22/10/2009 أن زعيم الجماعة موجود في أفغانستان.

ومن دون شك، فإن هذا الموقف الإيراني قد يشير إلى أن منطقة الحدود الإيرانية ـ الباكستانية مرشحة لأن تصبح منطقة إقليمية ساخنة، وينطوي هذا بطبيعة الحال على احتمالات زيادة التوتر بين إيران وباكستان، لكن من جهة أخرى، قد يؤدي هذا الهجوم إلى توسيع دائرة المفاوضات بين الطرفين لتطول الأمن الإقليمي، ولاسيما في ظل حاجة باكستان إلى التنسيق مع جيرانها بخصوص حركة "طالبان - باكستان".

خلاصة القول: مما لا شك فيه أن الهجوم الانتحاري الذي تعرضت له إيران مؤخرًا، سيؤدي ليس فحسب إلى زيادة الضغوط التي تواجهها طهران على المستوى الداخلي، ولاسيما على صعيد تعاطيها مع ملف الأقليات العرقية والدينية فيها وتداعياته الأمنية، وإنما سيؤدي أيضًا إلى فتح جبهات أخرى للتوتر والصراع في علاقات إيران الخارجية مع دول الجوار، وخاصة باكستان، في ظل تشعب علاقات جماعة "جند الله" بالقوى الخارجية، وإصرار طهران على ملاحقتها، وما يعنيه ذلك من أن الهجوم الأخير ليس سوى حلقة جديدة في الصراع الدائر بين الجماعة والسلطات الإيرانية.

 



أرسل لصديق نسخة للطباعة حفظ PDF
عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل 0.00 من 5التصويتات 0تقييم العنصر: 

الرئيسية | تعرف على البينة | اتصل بنا

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين على الموقع