شبكة البصرة 5-صفر-1431هـ / 20-يناير-2010م
أسئلة وملاحظات
بعد هذا الاستعراض التفصيلي لابد من تثبيت ملاحظات وحقائق ميدانية أساسية تؤكد، بلا أدنى شك، الهوية الحقيقة لإيران:-
1– إن من أهم الأسئلة التي يجب طرحها لتحديد الهوية الحقيقية لإيران هو السؤال التالي : لم يدعم أفراد وجماعات عربية إيران؟ الجواب الجاهز والمعروف هو انها تدعم القضية الفلسطينية منذ اسقاط الشاه، لذلك فمن الضروري التمييز بين إيران الشاه وإيران الملالي وتثمين موقفها الايجابي تجاه القضية الفلسطينية.
طيب ثمة سؤال اخر مهم جدا وهو: لم يدعم العرب القضية الفلسطينية؟ الجواب يختلف بين تيارين هما التيار القومي العربي والتيار الإسلاموي، فالتيار القومي يؤمن بان فلسطين عربية وبما ان كل اجزاء الوطن العربي متساوية القيمة وتنتمي لامة واحدة فان الدفاع عن فلسطين واجب قومي مقدس كما الدفاع عن كل قطر عربي اخر. اما التيارات الإسلاموية فتجيب لان فلسطين بلد اسلامي وبما ان كل البلدان الإسلامية أجزاء من (امتنا الإسلامية) فيجب دعم القضية الفلسطينية. ويترتب على هذين السؤالين سؤال ثالث وهو : هل نقف ضد الكيان الصهيوني لان مستوطنيه يهود ام لأنه احتل فلسطين؟
هذه الأسئلة حاسمة في تحديد الهوية الحقيقية لنظام الملالي في إيران، والاهم في تحديد الدور الحقيقي لداعمي إيران من العرب وكشف دوافعهم غير الشريفة، وهو موضوع بحثنا، ومن دون طرح الأسئلة الثلاثة ومناقشتها من الصعب كشف التضليل الإيراني وتعرية من يدافع عن إيران.
وعند مناقشة موقف التيارات الإسلاموية والكتاب الإسلامويين الداعمين لإيران من منطلق (اسلامي) فان الأسئلة المهمة التي تواجههم ويعجزون عن تقديم اجابة مقنعة عليها هي : اليس العراق، الذي تشارك إيران أمريكا في احتلاله وتدميره والتسبب في اسوأ الكوارث التي تعرض لها خلال ثمانية آلاف عام من تاريخه بعد أن ساعدت أمريكا على غزوه رسميا، قطرا مسلما كفلسطين؟، أليست الاحواز التي تحتلها إيران قطرا اسلاميا كفلسطين وعدد نفوسه ضعف نفوس الشعب الفلسطيني (حوالي تسعة ملايين احوازي) وأرضه أكبر من فلسطين بثمانية مرات ونصف المرة وتمتد من جنوب العراق حتى مضيق هرمز على امتداد الضفة الشرقية للخليج العربي، وعلى ارض الاحواز وفي جوفها توجد اهم ثروات إيران الحالية وهي المياه والنفط؟
وتتواصل عملية توالد الأسئلة المنطقية التي تفرض نفسها بحكم منطق الأشياء: لم تدعم إيران فلسطين الإسلامية وتحتل العراق الإسلامي والاحواز الإسلامية؟ أليست أراضي المسلمين وحقوقهم واحدة في القيمة والأهمية من حيث الجوهر؟ ولم تصر إيران على الصراع مع العرب حول الأرض والمياه والحدود مع العرب المسلمين، كما في حالة الإمارات والعراق ودول الخليج كلها خصوصا البحرين؟ اليست اراضي المسلمين واحدة ولكل المسلمين ولا فرق بين مسلم وآخر؟ ولم يصر نظام الملالي في إيران على تسمية الخليج العربي ب (الفارسي) اذا كانت هويته الحقيقة اسلامية؟ الا يفترض عدم اشعال صراعات دموية وعدائية بين المسلمين من اجل ارض هي ملكهم كلهم وبالتساوي؟ بل والأكثر إيحاء ومعنى هو الأمر التالي : لم رفض خميني (حلا وسطا) لمسألة تسمية الخليج العربي قدمته منظمة المؤتمر الإسلامي في الثمانينيات لأجل إيقاف الصراع بين المسلمين يقوم على تسميته ب (الخليج الإسلامي)؟ لقد رفضه خميني بشدة وأصر على مواصلة الصراع مع العرب المسلمين حول اسم الخليج! لم ذلك الإصرار اذا كان خميني وتياره إسلاميا حقا؟
وتأخذ الاسئلة طابعا اكثر خطورة حينما يتعلق الامر بالإسلامويين العرب ومنها : لو ان من يحكم العراق كان حركة الإخوان المسلمين (واسمها في العراق هو الحزب الإسلامي) وغزته أمريكا وإيران هل كان رد فعل الاخوان المسلمين، في مصر مثلا، سيكون هو نفس رد فعلهم الحالي المتميز بدعم إيران رغم مشاركتها الرئيسية والحاسمة في الغزو؟ من المؤكد ان اخوان مصر سوف يقفون ضد الغزو الامريكي الإيراني لو كان الاخوان المسلمون في العراق (او الحزب الإسلامي) يحكمون العراق، ولكنهم كانوا في (المعارضة) ضد نظام وطني وقومي الهوية، لذلك ايدوا الاحتلال وشاركوا في حكوماته بفعالية حرصا على اجتثاث التيار القومي العربي في العراق، وهو القلعة الأخيرة للقومية العربية بعد زوال النظام الناصري في مصر، والذي تعرض لعداء متجذر من قبل الاخوان المسلمين في مصر.
يقينا ان موقف الإسلامويين العرب (من الطائفيين السنة) الداعم لإيران ينبع من بئر سام ومسمم وهو بئر العداء الايديولوجي الإسلاموي للقومية العربية وتياراتها وليس من نبع الإسلام الصافي الذي لا يجسده تيار او حزب مثلما يجسده البعث كما اتثبتت تجربة غزو العراق. وهذه حقيقة مخيفة تحدد طبيعة التيارات الإسلاموية وهويتها ومكامن ألغامها، فهي من اجل تصفية التيار القومي الرئيسي وهو البعث (لنتذكر انها ساهمت في تصفية التيار القومي الناصري في مصر) دعمت الغزو الأمريكي للعراق وشاركت في حكوماته ومارست أسوأ اشكال الطائفية عندما ادعت انها تمثل السنة في العراق في الحكومة التي أقامها الاحتلال!
واخيرا فان السؤال الذي يواجه الإسلامويون العرب هو : ما الفرق بين فلسطين، التي تبررون دعمكم لإيران باسمها، والعراق؟ هل يوجد فرق بين قطر مسلم واخر؟
وهنا يجب ان نتوقف لنشاهد كيف ان الاممية الإسلاموية – وليس الإسلامية – التي يروج لها الإسلاميون كبديل عن الانتماءين الوطني والقومي، تستخدم ممرا للخيانات الوطنية والقومية، فلولا الحط من شأن القومية العربية والوطنية العربية من قبل الإسلامويين العرب، تحت غطاء الاممية الإسلاموية الشيعية والسنية، فان خيانة الاخوان المسلمين في العراق لوطنهم الصغير ما كانت ممكنة، وما كان ممكنا ان تؤيد حركة الاخوان في مصر إيران وتدعم الاخوان المسلمين في العراق مع انهم ارتكبوا فعل الخيانة الوطنية العظمى بتأييدهم للاحتلال ومشاركتهم في حكوماته، التي تركز دورها على تكريس الاحتلال والترويج له.
القومية والدين من منظور فلسفي
ان الدرس التاريخي الخطير والكبير الذي بلورته مواقف الإسلامويين العرب هو التالي: حينما تسقط الرابطة الوطنية وتهمش او تدان الهوية القومية، وغالبا تكفر ويكفر المؤمنون بالقومية من قبل الإسلامويين، وتجعل (الإسلام)، حسب التفسير الفارسي او الاخواني له، هوية لك مع انه قابل لعشرات التفسيرات، كما لاحظنا عند غزو العراق وما الحقه من كوارث فيه والتي يتحمل الإسلامويون الشيعة والسنة مسئولية اساسية عنها، فان الخيار الإسلاموي، العدمي قوميا ووطنيا، يكون المقدمة الطبيعية للخيانات الوطنية والقومية.
كيف ذلك؟ من هنا من الضروري مناقشة دور الدين والقومية في حياة البشر وهذه الضرورة تتطلب تناول الطبيعة الفلسفية لكل من القومية والدين لفهم كيفية استخدام غطاء الدين في تفتيت الهوية الوطنية والقومية مع ان ذلك انتحار حقيقي. ان الدين اساسا صلة بالرب، ايمان وعبادة وممارسات، وهي صلة ذات طبيعة ميتافيزيقية لا يمكن التعامل معها بمنطق الرياضيات، وهو القاعدة الاساسية للحياة السياسية بصفتها ممارسة دنيوية انموذجية، فمهما كنا متبحرين في الشأن الديني فان ثمة قضايا لا يمكن اختراقها وتبقى سرا غير قابل للكشف او الاكتشاف، مثل التساؤل عن الله وما بعد تفسير الدين للحياة والموت والخلق، وهي قضية من المستحيل منع الانسان، أي انسان، من التفكير بها منذ صغره، خصوصا الديانات السماوية التوحيدية، من اليهودية الى الإسلام مرورا بالمسيحية، التي امنت بوجود الله سبحانه وتعالى ومنعت التشكيك بوجوده.
ان صلة الانسان برجل الدين اساسها حاجة الانسان العادي لتفسيرات تشبع حاجته لمعرفة ظواهر اكبر من عقله او على الاقل تقلل دهشته من الكون والخلق والطبيعة، كما انه بحاجة لفتاوى تنظم حياته الاجتماعية كالزواج والطلاق والارث وغيرها، وهذه الصلة جبرية غالبا بما انها تقوم على حاجة الانسان العادي لتفسيرات وحلول لا يملكها وتوجد لدى رجل الدين حصرا في المجتمعات التقليدية، مع ان الإسلام يرفض الكهنوتية، وهكذا تبلورت صلة تابع ومتبوع اساسها وقاعدتها ميتافيزيقية وهي معلومات لا يجوز التشكيك بها او التساؤل عما ورائها او قبلها، فاما ان تقبل كما هي دون نقاش او اعتراض، وهذا مؤشر الايمان، او ترفض كلها وهو مؤشر الالحاد.
ومن المؤكد ان لكل انسان يتمتع بذكاء ولو متوسط ذكريات في طفولته تتعلق بالاسئلة التي كان يوجهها لوالده او محيطه حول الخلق وغموضه، وهي اسئلة لكونها تصدر عن طفل برئ وذكي لا تقتنع ب، ولا تتوقف عند، اجابات رجل الدين، بل تذهب لما وراءها، مثل السؤال عن خلق الكون، وعند الجواب بانه الله لا يتردد الطفل عن طرح اسئلة محرمة بالنسبة للراشدين مثل ومن خلق الله؟
ونتيجة لهذه الطبيعة الميتافيزيقية للايمان الديني فانه يقع في مركز الخوف الطبيعي والغريزي من دماغ البشر، ويصبح ثمة فرق جوهري بين معلومات الحياة الدنيوية والتي يختزنها عقل الانسان بعد التاكد منها ماديا وحسيا كطرق العيش والبقاء والحلول لما يواجهه من تحديات حياتية، وتلك المعلومات تشكل ثقافته التي ينشأ في بيئتها بكافة اشكالها ومراحلها، وهي ثقافة اقدم من كل الديانات التوحيدية لان الانسان حالما يبدأ بوعي العالم وهو طفل يتشكل لديه مزيج متداخل عضويا من الوعي والسايكولوجيا، وهما المنبع الاساسي لثقافته وخياراته الاجتماعية، وهذا المزيج هو الوعي الاجتماعي الذي يشكل العمود الفقري لشخصية الانسان وخياراته ومميزاته.
ان الوعي الاجتماعي يتشكل وفقا للبيئة السائدة ويخضع لها ولا يتغير الا عند حصول انتقالة نوعية من مرحلة تاريخية الى اخرى، وهو بنية فوقية تنبثق عن بنية تحتية اقتصادية اجتماعية، لكنه – أي الوعي – حالما ينبثق ويتبلور يبدأ بالتأثير على البنية التحتية ويعيد تشكيلها، وهكذا تبدا عملية صيرورة متنامية تخضع لمنطق جدلي لا يتوقف على الاطلاق.
والهوية هي الصورة الاولى والارسخ والاهم للوعي الاجتماعي، فقبل ان يتكون وعي الانسان العام والخارجي يبدأ بوعي ذاته ويتعرف على نفسه، بمزاجه وميوله وقدراته وشكله...الخ، وتصبح عملية تكون هويته الخاصة محور انشغاله الذاتي، بحكم دوافع غريزية لا يمكن صدها. وحينما ينمو الانسان يتوسع وعيه فيزداد كما ويرتقي نوعا، فبعد ذاته يبدأ باكتشاف هوية عائلته ثم هوية محيطه الاسري من لغة وتقاليد وضوابط وقيم، ثم يتعامل مع هويته المحلية – اين يعيش ومع من يعيش – ثم هويته العشائرية، ثم هويته القبلية، ويأتي التطور النوعي الاهم وهو تفاعل القبائل المنتمية لنفس اللغة والثقافة والمحيط الجغرافي، وعندها تبدأ الهوية الوطنية والقومية بالظهور والطغيان على الهويات السابقة لها كلها.
ان هذه الصيرورة استغرقت الاف السنين بالنسبة للشعوب العريقة، واستمر الوعي الاجتماعي خلالها بالوجود ومع الاستمرارية كان يتجذر ويترسخ ويتوارث من جيل الى جيل حتى صار الوعي الاجتماعي، في اطار الهوية، طبيعة ثانية للانسان، تملأ فراغات الوعي لديه، ومنها خياراته في الحياة وكيفية مواجهة التحديات. وبفضل الهوية يستقر الانسان وتخفت مخاوفه الناجمة عن القلق الغريزي من المجهول الدنيوي، والذي يتعلق بضرورات الحياة ومشاكلها وتحدياتها.
وهوية الانسان في مجتمع الامة هي نتاج تطور استغرق آلاف السنين حتى تبلور بصيغة انتماء لأمة لها لغتها الخاصة وتقاليدها وديانتها ومصالحها المشتركة واصلها الواحد - غالبا – وعيشها على رقعة جغرافية متصلة...الخ، وهي أي الهوية انعكاس طبيعي لتكوينه السايكولوجي – الاجتماعي وصورته التي يعرفه الاخر من خلالها. ورغم ان الهوية القومية هي التطور الارقى لهويات سابقة لها تفاعلت وارتقت لتنتج القومية فان تلك الهويات القديمة، او السابقة للهوية القومية، اصبحت هويات فرعية تابعة للهوية الام وهي الهوية القومية. فالهوية القومية العربية مثلا تعود في نمو وتطور تكوينها الى الاف السنين قبل الإسلام، وبدأت بظهور اللغة العربية لدى مجاميع بشرية، ولكن هذه اللغة وان بقيت لغة المجاميع نفسها الا ان المجاميع تغيرت حالتها وطبيعة علاقاتها، فالعائلة صارت عشيرة والعشيرة صارت قبيلة والقبائل اندمجت في اطار امة وشعب.
وحينما جاء الإسلام اضاف لهوية الامة بعدا روحيا كانت في امس الحاجة اليه، عزز الهوية وانضجها بثراء روحي وفر لها نوعا من الكمال في الاستقرار النفسي والتلاحم الاجتماعي. فالعربي ورغم حضاراته السابقة للاسلام، كالسومرية والبابلية والفرعونية والفينيقية وغيرها، كان يفتقر للاستقرار الروحي وجاء الإسلام ليمنح العروبة روحها.
وهنا نشأت صلة عضوية جديدة لا تنفصم، منذ اضيف الاسم للهوية، وهي ما عبر عنه الرفيق القائد المؤسس احمد ميشيل عفلق بقوله: (ان العروبة جسد روحه الإسلام). ما معنى ذلك؟ وماذا يحصل اذا فصلت العروبة عن الإسلام؟ وهل بقي الإسلام مجرد دين ام انه صار ثقافة لكل عربي غير مسلم تحركه وتتحكم في مسيرته الانسانية؟ بالتاكيد اصبح الإسلام منذ ظهر ميسما ذاتيا (ثقافيا وسايكولوجيا واجتماعيا) لكل عربي سواء كان مسلما او مسيحيا او غير ذلك، وتلك هي من اعظم مميزات أصالة هويتنا القومية العربية.
وهنا تبرز الخلافات الجوهرية بين الايمان الديني المجرد والايمان الوطني والقومي، فالهوية الوطنية والقومية بمختلف مراحل تطورها اقدم بكثير من الدين التوحيدي، لان الإنسان حالما وجد كانت له هوية تميزه عن غيره ابتداء من اسمه وذاتيته وعائلته ثم عشيرته ثم قبيلته، ثم منطقته ثم شعبه ووطنه وقوميته. ان هذا التسلسل التاريخي للهوية الانسانية اسبق بآلاف السنين من ظهور الديانات التوحيدية، وهي لذلك ارسخ سايكولوجيا وثقافيا من الدين. كان العربي موجودا عند ظهور الوثنية واليهودية والمسيحية واخيرا الإسلام، وفي كل مراحل تطور صلته بالدين كان يعتنق الديانات القديمة ويغيرها وأثناء ذلك كله كانت هويته القومية موجودة واقدم من كل دين وطائفة. اما الدين فانه اشد تأثيرا على مستوى الميتافيزيق او حينما يتعلق الأمر بالعقاب والثواب، فالدين يقترن بالإيمان بالله والتمسك باوامره ونواهيه، لذلك فانه مقدس يحتمي به الانسان من خوفه الغريزي من الحياة والكون وينظم حياته.
لقد ارتكب الإسلامويون العرب خطيئة عظمى بافتعال تناقض وهمي بين القومية العربية والإسلام، وهو ما أدى إلى تكفيرهم للقومية العربية ورفضهم للرابطة الوطنية وازلتهما من نفوس من انتمى اليهم، دون وجود بديل حقيقي يملأ فراغ الهوية الذي احدثوه في نفوس انصارهم، لان البديل الإسلاموي كان عبارة عن فقاعة مزيفة لا صلة لها بالإسلام يمكن تفجيرها باجتهاد انصاف اميين باسم الإسلام، وتوالد الاجتهادات الخاطئة والتي تصبح كارثة الكوارث على الوطن والأمة، مثلما حدث في العراق حينما راينا اسلامويون يمارسون اخطر انواع السحر وهو الافتاء باسم الإسلام.
ولعل المقتل في المنطق الإسلاموي رأيناه في العراق المحتل متمثلا في القدرة العجيبة على الانتقال الفجائي من موقع الجهاد ضد الاحتلال الى دعمه كما حصل حينما تشكلت الصحوات بغالبتها من اسلامويين متطرفين كانوا مجاهدين بالاصل ولكن فراغ الهوية المصطنع، المتمثل في التبرؤ من الهوية الوطنية القومية وزرع هوية (دينية) متطرفة وزائفة بدلها، في ظل امية او شبه امية من يفتي من امراء الحرب، عجل بارتكابهم فعل الخيانة الوطنية بعد اول اغراء مادي تعرضوا له، وكانت نتيجته كارثة العراق والتي ما كان لها ان تحصل لولا أمراء الحرب شيعة وسنة! لقد استخدم هؤلاء اسم الإسلام لتضليل الناس ودفعهم اما لموالاة الاحتلال، كالحزب الإسلامي وحزب الدعوة، او لتفتيت الهوية الوطنية والقومية باسم اسلام مزيف لدى بعض السلفيين الذين قاوموا الاحتلال لكنهم نتيجة ازمة الهوية التي اصطنعت لديهم برفض اقدم وارسخ هوية، وهي الهوية القومية والوطنية، ضاع هذا البعض وانقلب على الجهاد وصار اميرا في الصحوات ومارس اشد أنواع القسوة تجاه المجاهدين والمقاومين.
ان محاولة استبدال الهوية الوطنية والقومية بهوية دينية واصطناع تناقض زائف بينهما يجعلهما في حالة تناقض مستمر، يمهد الطريق للضياع نتيجة تدمير اهم قاعدة حصانة ووعي لدى الانسان وهي الهوية العروبية المتبلورة تقليديا وتاريخيا قبل ظهور الدين، وعلى العكس فان الدمج العضوي بين الهوية الاقدم وهي الهوية القومية وبين الإسلام، كما فعل البعث، يوفر للقومية طاقة جبارة تحولها الى انتماء وطني - ايماني لا يقهر ولا يدحر لا في ساحات الجهاد ولا في سجالات الايديلوجيات.
هل هم قوميون حقا؟
اما من يدعي انه قومي عربي ويؤيد إيران فان السؤال الذي يواجهه هو : لم نصفق لإيران لانها تدعم فلسطين بينما نخمد صوت الاحتجاج على غزوها للعراق والاحواز مع انهما قطرين عربيين؟ أليست الارض العربية كلها مقدسة ومتساوية القيمة؟ اين احد اهم معايير العروبة وهو الدفاع عن كل ارض عربية محتلة؟ وهل الموقف القومي مرتبط بنظم سياسية فاذا تغيرت النظم يتغير الموقف؟ ام ان الموقف ثابت لانه مبدأي؟ (قوميو) هذا الزمان نراهم كما يلي : اذا كان النظام مقبولا منا كنظام الملالي في إيران نغض الطرف عن احتلاله لاراضينا، واذا كان مرفوضا، كنظام الشاه، نحتج على ذلك! هل هذا مقبول وصحيح؟ ان الموقف القومي تحدده الحقوق بغض النظر عن طبيعة النظم السياسية او الهوية الدينية لمن يعتدي على الحقوق، ولذلك لا تتغير الحقوق اذا تغيرت النظم السياسية او دين المحتل لاراضينا.
في زمن الشاه قدم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وكان قائدا للحركة القومية العربية بلا مازع، دعما لثوار الاحواز من اجل التحرر من الاستعمار الإيراني منطلقا من حقيقة ثابتة وهي ان الاحواز قطر عربي محتل ويجب دعمه من اجل التحرير والتخلص من الاحتلال الإيراني، والان يقف من يدعي انه (ناصري) مع إيران نفسها التي تحتل الاحواز العربية، فكيف نفسر هذا التناقض الصارخ والفاضح بين مبادئ الناصرية وبين ممارسات من يدعي الانتماء اليها؟
وتتواتر الاسئلة ومنها : هل وقفنا ضد الكيان الصهيوني لانه كيان يهودي ام لانه احتل ارضنا في فلسطين؟ والجواب الواضح جدا هو اننا لم نكن ضد اليهود ولكننا اخذنا نحاربهم حينما احتلوا ارضنا في فلسطين، وقبلها كان اليهود يتمتعون بكامل حقوق المواطنة في العراق ومصر وغيرهما، وقبل احتلال فلسطين كان اليهود يهربون من الاضطهاد الديني في اوربا المسيحية الى الوطن العربي نتيجة التسامح الديني التقليدي فيه.
هذه الاسئلة حاسمة في فضح المستور لانها تضع كل اسلاموي وكل ناصروي يدعم إيران امام تحد منطقي ومعياري واضحين، فالعراق عربي واسلامي والاحواز عربية واسلامية والجزر الاماراتية عربية واسلامية، وهي كلها تخضع لمنطق اسلامي وقومي عربي ولمعيار اسلامي وقومي عربي، يقول بوحدة القيمة للارض والبلد والقطر بغض النظر عن حجمه ومكانه، فاذا تعرض قطر عربي او بلد اسلامي للغزو فان الموقف المطلوب هو دعم نضال الشعب العربي او الإسلامي الذي احتلت ارضه او وطنه، فهل التزم من يدعم إيران بتلك البديهيات الراسخة في العرف السياسي والقانوني والديني والقومي والوطني؟
يجب ان نكرر التاكيد على اننا لم نقف ضد اليهود وتاريخنا العربي شاهد على ان اليهود عاشوا في الوطن العربي منذ سيادة الإسلام عليه بكل احترام لمعتقدهم ووجودهم الانساني وحقوقهم كمواطنين عرب يهود، ووقفنا ضد اليهود الصهاينة حينما احتلوا فلسطين وهي ارض الشعب الفلسطيني، لذلك لابد من التركيز على هذه الحقيقة في تحديد الموقف المطلوب تجاه احتلال إيران لقطر عربي، هو الاحواز وهو اكبر واغنى من فلسطين بكثير، والمشاركة الإيرانية الرئيسية مع أمريكا في احتلال وتدمير العراق، واحتلال الجزر العربية، والاشهار المتكرر والرسمي لمطمع إيران في غزو البحرين وهي قطر عربي، وهو ان الاحتلال هو احتلال مرفوض سواء قامت به حهات يهودية، كما في فلسطين، او امريكية مسيحية، كما في العراق، او اسلامية كم في احتلال إيران للاحواز والعراق والجزر.
المنطق الإسلاموي – وليس الإسلامي - والمنطق الناصروي – وليس الناصري - الداعمان لإيران منطقان ملتبسان وملغومان بتناقض صارخ ومفضوح لانهما ينسفان القاعدة الاساسية للانتماء الإسلامي والانتماء القومي وهي قاعدة تساوي اجزاء (الامة الإسلامية)، بالنسبة للاسلاميين، وتساوي اجزاء الامة العربية بالنسبة للقوميين العرب، فما الذي يسند مواقف داعمي إيران العرب؟ لعل نهج إيران الحالية يقدم دليلا على صحة أدانتنا لموقف الإسلامويين والناصرويين : فإيران ترفض بشدة احتلال اراضيها من قبل أي طرف بغض النظر عن ديانته وقوميته، لانها تعتقد انها اراض إيرانية وكل جزء منها مساو للاخر بغض النظر عن مكانه وموقعه، والدستور الإيراني يذهب بوضوح لا لبس فيه الى تاكيد انه ليس من حق البرلمان الإيراني التنازل عن أي ارض إيرانية لاي بلد اخر، رغم ان كل جيران إيران هم من المسلمين. فاذا كانت إيران لا تقبل بالتنازل عن أي جزء من اراضيها حتى عن طريق البرلمان، فهل يعني هذا الموقف سوى انه موقف قومي متطرف لا صلة بالإسلام؟
كما ان إيران خميني وتلاميذه يصرون واكثر من إيران الشاه على عدم اعادة الجزر العربية وتحرير الاحواز رغم انهم يقولون ان إيران دولة اسلامية! وقاتلت إيران وتقاتل منذ عقود ابناء الاحواز الذين يريدون الاستقلال عن إيران وقتلت وأعدمت آلاف الاحوازيين دفاعا عما تعده وحدة إيران الوطنية! وتسمية الخليج العربي تقدم لنا دليلا صارخا على ان اسلامية إيران لم تمنعها من الاصرار على تسمية الخليج بالفارسي بل ورفض حتى الحل الوسط بين الأقطار العربية وإيران وهو تسميته بالخليج الإسلامي، كما اقترحت منظمة المؤتمر الإسلامي، وأصرت على تسميته باسم قومي وهو (الخليج الفارسي)!
اذن إيران دولة ذات هوية قومية تتغلب، وتتفوق على انتماءها الإسلامي، وتدافع عما تعده (اراضيها الوطنية) رغم انها اراض عربية وفوقها شعب عربي مضطهد، وتعد ذلك واجبها وحقها الوطني حتى لو تناقض مع انتمائها الإسلامي، ولذلك قاتلت العراق لمدة ثمانية اعوام من اجل كيلومترات ارض ومياه وسقط اكثر من مليون مسلم عراقي وإيراني من اجل ان تبقى إيران مسيطرة على ما تعده أراضيها ومياهها الإقليمية. ان هذه الحقيقة تطرح موقفا لايمكن تجاهله وهو ان سياسات إيران الملالي، الفعلية والرسمية، هي التي تحدد المعايير التي تحكم الموقف العربي منها وتجاهها قبل ان نحددها نحن وهي معايير قومية ووطنية وليست الإسلامية.
نكرر التاكيد: نحن لم نقف ضد اليهود، كبشر لديهم عقيدة دينية محددة، بل وقفنا ضد احتلالهم لفلسطين ولذلك لا يمكن ان نقف تجاه احتلال إيران للاحواز والعراق والجزر الا الموقف ذاته الذي اتخذناه ضد اليهود، هذا هو المنطق السليم والموقف المطلوب قوميا واسلاميا ومنطقيا. لا مفر من تأكيد الحقيقة التالية بلا تردد او غموض وهي ان إيران الحالية لا تختلف عن إيران الشاه الا بدرجة الخطورة، فلئن كانت إيران الشاه تعمل وفقا لشعار قومي فارسي صريح، هو احياء امبراطورية قورش، وهو ما عزلها عن محيطها العربي والإسلامي وعمق حصانة العرب ضد التوسع الاستعماري الإيراني الشاهنشاهي، فان إيران الملالي انجح في التمويه والاختراق لانها استخدمت اهم مقدسين لدى العرب وهما فلسطين والإسلام، فنفذت بهما الى صفوفنا ومزقتها ووجدت طابورا خامسا يدعمها.
منطق اللامنطق
وهذه النقطة توصلنا لضرورة لا بد منها وهي التذكير بمعنى ما تبلور وقبل وصار قاعدة بداهة في التفكير العربي وهي معاني الوطنية والقومية. ان عصر اليقظة القومية العربية الحديثة، وليس نشوء القومية العربية، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تميز بجعل معيار الانتماء القومي قاعدة التمييز بين العربي وغير العربي، ففي ظل الحكم العثماني الذي كان يصف نفسه بانه حكم (اسلامي) وبانه يمثل الخلافة الإسلامية، سادت نزعة قومية تركية ادت الى دفع مشاعر الاخوة الإسلامية إلى الخلف أولاً، ثم وباستمرار سياسة التتريك للشعوب الإسلامية اجبر العرب على التمسك بهويتهم القومية امام محاولات محو الهوية العربية وشرعوا في النضال من اجل المحافظة عليها رغم ان الدولة كانت تعمل باسم الإسلام.
ان الصلة بين المسلمين ما لم تقم على اساس المساواة الفعلية والقانونية تتحول الى نوع من الاستعمار والاستغلال الذي لن يفضي الا الى الانشقاق والفرقة والقتال، وبما ان الدولة العثمانية عجزت عن تحقيق المساواة الفعلية بيم المسلمين فان قدرة العرب وغيرهم من الشعوب الإسلامية على البقاء تحت الاستعمار التركي تقلصت، ثم زالت وبدأ عصر التحرر والاستقلال عن الدولة العثمانية التي كانت ذات طبيعة قومية عنصرية واضحة في مراحلها الاخيرة.
اننا اذ نذكر بهذه الحقيقة التاريخية فلاننا نريد ايضا غلق الباب على من يريد من العرب وغيرهم تصوير صراعنا مع إيران على انه صراع طائفي بين السنة والشيعة، وهو امر تريده إيران ويخدم اهم اهدافها وهو اجبار شيعة عرب على دعمها والتخلي عن قوميتهم العربية من اجل المحافظة على مصالح الطائفة، كما قال وردد مقتدى الصدر مرارا خصوصا حينما قام بابشع عملية تطهير طائفي في بغداد في بداية عام 2006. قبل ولادة حكومة ولاية الفقيه ودولتها في إيران اشتبكنا نحن العرب في حرب مع دولة كانت تسمى اسلامية وكانت تمثل المذهب السني وهي الدولة العثمانية، من اجل الاستقلال والمحافظه على الهوية القومية العربية وتحقيق الوحدة العربية. واذا تذكرنا ان إيران لا تحركها مصالح الإسلام وقيمه بل مصالحها القومية كدولة وكامة، وهو امر مشروع ومقبول، واذا اخذنا بنظر الاعتبار ان التشيع بالنسبة لإيران هو مجرد (حصان طروادة) تستخدمه لاختراق حصوننا ومحو هويتنا العربية، كما اثبتت تجربة غزو العراق والدور الإيراني فيه، يمكننا الوصول الى حقيقة لا يمكن انكارها او تجاهلها وهي ان سعي إيران للهيمنة علينا كعرب ما هو الا عمل استعماري صرف محركه الاساسي والحقيقي قومي.
وبمواجهة نشاط استعماري اجنبي لا يمكن لاي امة الا ان تلجأ لحصنها الطبيعي وهو حصن الهوية القومية، وهنا نصل الى نقطة جوهرية وهي ان اولئك العرب الذين يدعمون إيران يفتقرون الى المنطق او المعيار المقبول او المسنود منطقيا، فالناصروي وهو يدعم إيران يعجز عن مناقشة دافعه او الاقناع بصوابه، لان إيران، بممارساتها الفعلية وبمواقفها الرسمية، دولة ذات نهج قومي فارسي وتريد تحقيق مكاسب لها على حساب العرب.
والسؤال الذي يفرض نفسه بلا عناء وبتلقائية كاملة هو : كيف يستطيع اي ناصري مهما كان ذكيا ومثقفا ان يسّوق الاستعمار الإيراني ويقنع به مع انه ظاهرة استعمارية ثابتة ومرئية في الواقع؟ ان الناصروي والإسلاموي يقفان وهما يدعمان إيران عاجزين عن تقديم اي دفاع مقنع، ولذلك يتهربان من مواجهة القوميين العرب الذين يستطيعون كشف المستور الذي يجعل هؤلاء يتخلون عن اهم واجبات الانسان العربي وهو واجب الدفاع عن اراضي العرب وهويتهم تماما كما فعلنا تجاه الاتراك.
ان العربي الحقيقي هو من يدافع عن الارض العربية، بغض النظر عن حجمها وموقعها، هذه هي ام بديهيات الانتماء القومي العربي، وعلى اساسها حاربنا العثمانيين، وحاربنا الانكليز في العراق ومصر، والفرنسيين في سوريا والجزائر، والامريكييين في العراق، وبسببها نحن نرفض احتلال اسبانيا لسبتة ومليلة واحتلال تركيا للاسكندرون، وبقوة فعلها وقف عبدالناصر ضد احتلال إيران للاحواز العربية وقدم السلاح لثوارها. نحن عرب لسنا ضد اي امة او شعب وانما نحن ضد كل سياسة معادية لنا تتبناها امة اخرى، سواء كانت مسلمة او مسيحية او يهودية او هندوسية، نحن لنا مصالح وحقوق وحينما تتعارض وتتناقض مصالحنا مع مصالح اي طرف اخر غير عربي، وحينما تسلب منا حقوق في الارض والمياه والثروات من قبل اي طرف يقع التناقض بيننا وبين ذلك الطرف.
لا يوجد منطق اسلامي يسمح بدعم إيران على الاطلاق وفقا لما عرضناه، وكما في حالة الناصرويين فان الإسلامويين عراة من المنطق الإسلامي المقبول وهم اسرى منطق اللامنطق منطق الانتهازية والدونية الانسانية الذي يجعل من المصلحة الخاصة او الدافع الايديولوجي محركا لهم بدل الدوافع الموضوعية والمتعارف عليها.
والسؤال المركزي هنا هو: لماذا يعمل البعض من الناصرويين، على خلاف قواعد البداهة التي تحدد من هو العربي وماهي التزاماته، بمحاولة استثناء إيران منها؟ ولماذا بالذات نستثني إيران مع اننا لم نستثني تركيا قبلها رغم انهما كلاهما تنتميان للعالم الإسلامي؟ ما السر وما الدافع وراء استثناء إيران من كل قواعد البداهة التي تحدد معاني ومفاهيم وضوابط الانتماء القومي العربي؟ ولم يفعل الإسلاموي مثل الناصروي؟ وما الذي يجمع بين الناصروي والإسلاموي حول دعم إيران رغم انهما اعداء لا يلتقون سياسيا وايديولوجيا، كما تثبت تجربة مصر الحديثة؟
ان الإسلامويون والناصرويون يسقطون في امتحان المنطق لانهم يتجردون من أي لباس وطني او قومي او اسلامي، ويبدون بوضوح انهم اسرى معايير مزدوجة تحكم مواقفهم من إيران، فهم اسلاميون تجاه اليهود برفضهم احتلال فلسطين، لكنهم اسلامويون تجاه إيران لانهم يتخلون عن المنطق والمعيار الإسلامي، اما الناصرويون فانهم ناصريون تجاه احتلال اليهود لفلسطين لكنهم ناصرويون تجاه احتلال إيران للاحواز والعراق والجزر العربية!
يتبع...............
ملاحظة كتبت هذه الدراسة بين مايو وأغسطس 2009 لكنها تركت مؤقتا ولم تنشر، والآن ننشرها بعد إضافة تصريحات إيرانية جديدة أطلقت في الأسابيع الماضية، ووقوع أحداث في إيران ولبنان وغيرهما أكدت ما ورد فيها.
salahalmukhtar@gmail.com