الإسلام اليوم 13 من شعبان 1431هـ / 25 من يوليو 2010م
مصدر الخبر ليس تنظيم القاعدة، ولا "الإرهابيين" السُّنَّة المتدثرين بثياب العملية السياسية، ولا هي عواصم عربية من تلك التي تدعم "الإرهابيين الصداميين البعثيين"، المصدر هو وزيرة حقوق الإنسان في الحكومة العراقية، والتي قالت لصحيفة الصباح: إن 12 ألف حكم بالإعدام قد صَدَر في العراق خلال السنوات الخمس الماضية، وأن أكثرها قد نُفِّذ، بينما قالت مؤسسة حقوقية مستقلة: إن ذلك قد تَمَّ خلال ولاية حكومة المالكي فقط (أربع سنوات ونيف)، وهو ما يعني أن بوسع المذكور أن يدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية في عدد الإعدامات في عهده الميمون.
لو قتل هؤلاء في ساحات المعارك لما توقفنا عند الأمر في بلد يقتات على الموت والدمار منذ حطَّ غراب الاحتلال على ترابه، لكن أن ينسب قتلهم إلى قضاة ومحاكم ومحاكمات، ففي ذلك ما فيه من ازدراء لقيم العدالة والقانون والقضاء.
الذي لا مراء فيه أن أكثر هؤلاء الذين قُتلوا تحت مسمى محاكمة، قد حصلوا على أحكامهم بناءً على اعترافاتهم الشخصية، وهي اعترافات يدرك العارفون أنها انتزعت تحت وطأة تعذيب لا يحتمله البشر، يدفع صاحبه إلى تمني الموت، الأمر الذي لا يتوفر إلا من خلال اعترافات تحمله إلى منصة الإعدام، وقبل سنوات كشفت العديد من الفضائح حول "إرهابيين" اعترفوا أمام الكاميرات بقتل أقارب لهم، وبقتل أناس كانوا على قيد الحياة ويتجولون في الشوارع، فعل بعضهم ذلك من أجل التخَلُّص من التعذيب والموت بسلام، فيما أراد آخرون أن يجعلوا من موْتِهم فضيحةً للقتلة عبر التأكيد على عبثية محاكماتهم وبشاعة وسائلهم في انتزاع الاعترافات.
الأرجح بالطبع أن تلك المحاكمات قد تمت بأيدٍ عراقية، فالمحتلون رغم همجيتهم ليسوا في وارد احتمال كل هذا الكم من الإعدامات (هم مسئولون عنها بحكم الواقع)، فكان أن تركوها لمن لا يجدون أدنى حَرَج في ممارسة القتل بكل أشكاله، فكانت المهزلة التي كشف النقاب عنها عبر مصدر رسمي، ولا نعرف على وجه الدقة لماذا حصل ذلك، والأرجح أنه نتاجُ تصفية حسابات بين أركان الحكم أنفسهم.
هل هذا هو سِجِل الموت الوحيد الذي تورَّطت فيه الأجهزة الرسمية العراقية التي أنشأها وسمّنها المحتلون لكي تكون خنجرًا في ظهر المقاومة، ولكي تتحمل عنهم ضرباتها الموجِعة خلال السنوات الأربع التالية بعد الاحتلال قبل أن تبتلعها السياسات الرعناء من جهة، وسطوة القوة والجبروت الأمني من جهة أخرى؟
كلَّا بالطبع، والمؤكَّد أن الضحايا المذكورين، أعني الذين أُعدموا بقرارات من المحاكم، ليسوا سوى قلة بين ضحايا كثر تتحمَّل تلك الأجهزة وزر قتلهم، ولنتذكر هنا عمليات الإعدام اليومية التي كانت تنفِّذُها قواتُ الأمن العراقية، فضلًا عن الجيش في مناطق العرب السنة على وجه التحديد، وهي إعداماتٌ طالت نخبةً المجتمع وأهم رموزه، فيما تسببت في عمليات تهجير رهيبة.
لا نشيرُ هنا إلى فرق الموت فقط، مع أنها كانت تتحرك برعاية رسمية في كثير من الأحيان، وكثير من عناصرها هم جزء من منظومة الأمن التي أنشأها الاحتلال، ولكننا نتحدث عن العنف الرسمي الذي كان يُمارَس من قِبل الأجهزة خلال عملها الرسمي.
لا تسأل هنا عما ارتكبه المحتلون أنفسهم من عمليات قتل وإعدام يصعب حصرُها، مع أن الرقم قد لا ينافس رقم الأجهزة العراقية التي كان كثير منها يتحرَّك تحت غطاء رسمي، وإنْ بدوافع طائفية.
لا خلاف على أن العنف لم يتوقفْ عند حدود طائفة بعينها، وقد ارتكبتْ جرائم بشعة ضد الشيعة باسم الدفاع عن أهل السنة، لكن ذلك لم يكن سوى جزء من الفوضى الناتجة عن التفتيت الطائفي الذي ظَهَر بعد مجيء الاحتلال، الأمر الذي يختلف عن القتل الرسمي الذي نحن بصدَدِه، والذي يجعل من المحاكم والقضاء عنوانًا له، بينما هو لونٌ من ألوان القتل الأعمى الذي يأخذُ الناس بالشبهة دون دليل مقنع، اللهم إلا ما أشرنا إليه من اعترافات انتزعت تحت التعذيب الموغِل في البشاعة، والذي لا يصنَّف دليلًا في الأعراف القضائية.
ترى من سيحاكم أولئك القتلة عن جرائمهم، لا أعني رموز الأجهزة العراقية فقط، بل أيضًا جورج بوش وتوني بلير وسائر من قادوا هذه الحرب التي شُنَّتْ دون مسوِّغ شرعي أو أخلاقي؟!